أقذار الجاهلية.
حادثة شق الصدر هي تطهير لرسولنا - ﷺ - من حظ الشيطان ولذلك لم يتلوث رسول الله - ﷺ - في شبابه بأقذار الجاهلية.
ومن الأمثلة على ذلك:
أولًا: صانه الله -﷿- عن شرك الجاهلية، وعبادة الأصنام.
عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس- يقال له: (إساف) و(نائلة). يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله - ﷺ - طفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تمسه" قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون فمسحته، فقال رسول الله - ﷺ -: "ألم تنه؟! " قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنمًا قط حتى أكرمه الله- تعالى- بالذي أكرمه وأنزل عليه" (٢).
وقالﷺ - لخديجة: أي خديجة، والله لا أعبدُ اللات والعزى" (٣).
_________________
(١) صحيح، انظر "صحيح الترمذي" (٣٨٦٢)، "فقه السيرة" تحقيق الألباني، "صحيح السيرة النبوية" (ص ٢٩ - ٣١) الألباني.
(٢) قال الألباني: إسناده حسن. انظر "صحيح السيرة النبوية" (ص ٣٢).
(٣) رواه أحمد في "مسنده" وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٥): "رجاله رجال الصحيح".
[ ٤٦ ]
ثاثيًا: حفظ الله -تعالى- رسوله - ﷺ - من أن يأكل الذي ذُبِحَ على النصب -أي: التي يذبحونها لغير الله-.
فكان - ﷺ - لا يأكل ما ذبح على النصب، ووافقه في ذلك زيد بن عمرو ابن نفيل.
عن عبد الله بن عمر -﵄- أن النبيﷺ - لقى زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل (بلدح) -واد قبل مكة أو جبل بطريق جده- قبل أن ينزل على النبي - ﷺ - الوحي، فَقُدِّمتْ إلى النبيﷺ - سُفرةٌ، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له" (١).
ثالثًا: حفظ الله -تعالى- رسوله - ﷺ - من أن تبدو عورته أو يظهر عريانًا.
عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي - ﷺ - وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس لرسول الله - ﷺ -: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل، فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق. فقال: إزاري إزاري فشُدَّ عليه إزاره وفي لفظ قال: "فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيًا عليه فما رؤي بعد ذلك عريانًا - ﷺ - (٢).
رابعًا: وفق الله رسوله - ﷺ - للوقوف بعرفة قبل البعثة، مخالفة لما ابتدع
_________________
(١) رواه البخاري (٣٨٢٦).
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٦٤)، ومسلم (رقم ٣٤٠).
[ ٤٧ ]
قومه من رأي الحُمس -والأحمسُ الشديد على دينه- وكانت قريش تسمى الحُمُسْ وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إذا عظمتم غير حَرَمِكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يقفون بعرفة يوم عرفة، وكان سائر الناس تقف بعرفة، وكانت شريعة محمَّد - ﷺ - بعد ذلك الوقوف بعرفة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
وعن محمَّد بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي - ﷺ - واقفًا بعرفة فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا" (١).
فكان رسول الله - ﷺ - يقف بـ (عرفات) قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله تعالى له.