ويكفيه شهادة في خُلُقِه أن الله -﵎- قال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى
_________________
(١) "صحيح الجامع" (١٤٨٥)، "صحيح السيرة النبوية" (ص ١١).
(٢) رواه البخاري (رقم ٣٥٥٧).
(٣) "صحيح الجامع" (٣٢٢٠).
(٤) "صحيح السيرة النبوية" للألباني (ص ١٢).
(٥) "صحيح البخاري".
[ ٢٢ ]
خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]، فمهما تكلمنا عن أخلاق النبي - ﷺ - فلا نعطيه حقه، ولما سئلت عائشة - ﵂ - عن خُلق رسول الله - ﷺ - قالت: "كان خلقه القرآن" (١).
عباد الله! "ومن دراسة سيرته وقراءة الأحاديث النبوية في صفاته الخُلُقية تُطالعنا صور التواضع المقترن بالمهابة، والحياء المقترن بالشجاعة، والكرم الصادق البعيد عن حب الظهور، والأمانة المشهورة بين الناس، والصدق في القول والعمل، والزهد في الدنيا عند إقبالها، وعدم التطلع إليها عند إدبارها، والإخلاص لله في كل ما يصدر عنه، مع فصاحة اللسان وثبات الجنان، وقوة العقل، وحسن الفهم، والرحمة للكبير والصغير، ولين الجانب ورقة المشاعر وحب الصفح والعفو عن المسيء، والبعد عن الغلظة والجفاء والقسوة، والصبر في مواطن الشدة والجرأة في قول الحق" (٢).
يقول أنس - ﵁ -: "كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خلقًا" (٣). ويقول أيضًا - ﵁ -: "ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله - ﷺ -، ولا شممت رائحة قطُّ أطيب من رائحة رسول الله - ﷺ -، ولقد خدمتُ رسول الله - ﷺ - عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ (٤).
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٧٤٦) وقد مضى.
(٢) "السيرة النبوية الصحيحة"، أكرم ضياء العمري (ص ٨٩).
(٣) رواه مسلم (رقم ٢٣٠١) ومتفق عليه من حديث البراء بنحوه، أخرجه البخاري (رقم ٣٥٤٩)، ومسلم (رقم ٢٣٣٧).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٣٥٦١) ومسلم (رقم ٢٣٣٠).
[ ٢٣ ]
وتقول عائشة -﵂ -: "ما خُيِّر رسول الله - ﷺ - بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا، كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى" (١).
وتقول - ﵂ -: "ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى" (٢).
أما صفاته - ﷺ - الخَلْقية فقل في ذلك ما شئت ويكفيه أن أعداءَهُ لم يجدوا في خلقته عيبًا واحدًا يعيبونه به، فكان - ﷺ - من أحسن الناس خُلُقًا وخَلْقًا.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى أصحابه ﵃ وهم يصفون لنا رسول الله - ﷺ -:
يقول أنس - ﵁ - في وصف رسول الله - ﷺ -: "كان رَبْعةً من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليسى بجعد قطط ولا سبطَ رجلٍ، أُنزل عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، وقُبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء" (٣).
ويقول البراء - ﵁ -: "كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس وجهًا وأحسنهُ خَلْقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير" (٤).
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم٣٥٦٠)، ومسلم (رقم ٢٣٢٧).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٣٢٨).
(٣) رواه البخاري (رقم ٣٥٤٧)، ومسلم (رقم ٢٣٤٧) واللفظ للبخاري.
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٣٥٤٨)، ومسلم (رقم ٢٣٣٧).
[ ٢٤ ]
وسئل البراء: "أكان وجه النبي - ﷺ - مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر" (١).
ويقول كعب بن مالك - ﵁ - وهو يُحدث عن تخلُفه عن غزوة تبوك: "فلما سلمتُ على رسول الله - ﷺ - وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله - ﷺ - إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعةُ قمر وكنا نعرف ذلك منه" (٢).
ويقول أبو سعيد الخدري - ﵁ -: "كان النبي - ﷺ - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها" (٣).
ويقول علي - ﵁ -: "لم يكن النبي - ﷺ - بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسرُبة، إذا مشى تكفأ تكفؤًا، كأنما ينحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله - ﷺ -" (٤).