عباد الله! لما استقرت الأوضاع في المدينة، تطلع رسول الله - ﷺ - إلى حماية المدينة من الداخل- وهذا ما يقال في لغة العصر تأمين الجبهة الداخلية- فسعى إلى أن يكون بينه وبن اليهود -وهم على دينهم- حسن جوار فلا يؤذيهم ولا يؤذونه، ولا يعتدي عليهم ولا يعتدون عليه، فدعى النبيﷺ - إلى معاهدة سلم تكفل لهم الحرية الكاملة التامة في دينهم وأموالهم، وتضمن لهم أن يعيشوا في جوار النبيﷺ - في سلم وسلام، وأمن وأمان.
وكان من مقتضى هذه المعاهدة أن يكون المسلمون واليهود يدًا واحدة ضد كل من قصد المدينة بسوء.
وكان في المدينة من اليهود ثلاث طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فعاهدهم النبي - ﷺ - جميعًا على المسالمة، وعلى النصرة والمؤازرة ضد كل من يقصد المدينة بسوء.
عباد الله! وأخذ النبيﷺ - يحث المسلمين على الوفاء، وأداء الأمانة، وينهاهم عن الغدر والخيانة، ويأمرهم باحترام هذه المعاهدة واحترام أهلها، ويحذرهم من الاعتداء على أهل هذه المعاهدة في نفس أو مال، فجعل - ﷺ - يقول: "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (١).
_________________
(١) "صحيح أبي داود" (٢٦٢٦).
[ ٢٨٠ ]
وجعل - ﷺ - يقول: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (١).
عباد الله! وتأليفًا من النبي - ﷺ - لقلوب اليهود، وطمعًا في إسلامهم: توجه - ﷺ - في صلاته إلى بيت المقدس بأمر الله له.
ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فسألهم عن سبب صيامهم فقالوا: ذاك يوم نجَّى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل، وأهلك فرعون وملأه؛ فنحن نصومه شكرًا لله -﷿- فقال - ﷺ -: "نحن أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه" (٢).
وظل - ﷺ - يوافقهم على ما هم عليه؛ فيما لم يأته فيه وحي من الله -﷿- تأليفًا لقلوبهم، فعن ابن عباس - ﵄- قال: كان رسول الله - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه.
"وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي - ﷺ - ناصيته ثم فرق بعد" (٣).
سدل رسول الله - ﷺ - ناصيته تأليفًا منه لليهود، وموافقة لهم حتى يكون قريبًا منهم، ومع ذلك لم يستجيبوا له، ثم فرق بعد أن دخل الوثنيون في الإِسلام وأبى اليهود إلا الكفر.
عباد الله! وكان القرآن الكريم ينزل على النبي - ﷺ - مفرقًا في العلاقة بين
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٦).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٠٠٥)، ومسلم (رقم ١١٣١).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٥٥٨)، ومسلم (رقم ٢٣٣٦) واللفظ له.
[ ٢٨١ ]
المسلمين واليهود، وبين المسلمين والوثنيين.
فنهى الله تعالى رسوله والمسلمين عن أكل طعام الوثنيين وعن الزواج منهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
نهيٌ عن أكل ذبائح المشركين، ونهى عن الزواج منهم.
أما اليهود والنصارى فقد أحل الله تعالى طعامهم والزواج منهم.
فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
عباد الله! ونزل القرآن الكريم يدعو اليهود والنصارى إلى الإيمان، ويرغبهم فيه، وينهاهم عن الكفر.
قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ
[ ٢٨٢ ]
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١].
عباد الله! ومع ذلك كله، فقد أصر اليهود على الكفر، واستكبروا استكبار، ومكروا للإسلام والمسلمين مكرًا كبارًا، فمن مكرهم وخديعتهم، أن يدخل في الإِسلام نفر منهم أول النهار، ويجلسون عند رسول الله - ﷺ - وبين المسلمين، ويراهم المسلمون جميعًا، حتى إذا كادت الشمس تغرب رجع هؤلاء اليهود عن إسلامهم آخر النهار وذلك حتى يقال: إن اليهود أهل نبوة وأهل كتاب، وعندهم علم من السماء فقد دخلوا في الإِسلام يظنونه دين الحق، فلما دخلوا فيه تبين لهم أنه ليس دين الحق، ولذلك رجعوا عنه فتكون هذه فتنة لضعاف الإيمان، والذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، والله -﷿- الذي خلقهم يعلم طبائعهم وخبثهم، فأخبرنا في كتابه عن صنيعهم، قال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣].
وحذر ربنا -جل وعلا- اليهود من هذا الفعل، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٩].
[ ٢٨٣ ]
عباد الله! وقد أخبرنا الله -﷿- في كتابه عما تحمله اليهود في قلوبهم نحو المسلمين والإِسلام، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
عباد الله! من أجل ذلك حذر الله -﷿- رسوله - ﷺ - والمسلمين من أهل الكتاب- اليهود والنصارى-
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].
[ ٢٨٤ ]