عباد الله! المسجد هو أحب البقاع إلى الله تعالى، قال - ﷺ -: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" (٥).
المسجد هو قلعة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٦٠)، ومسلم (رقم ١٠٣١).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٦٩٩).
(٣) "السلسلة الصحيحة" (٧١٦).
(٤) "صحيح الجامع" (٦٢٢٢).
(٥) رواه مسلم (رقم ٦٧١).
[ ٢٥٥ ]
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
المسجد هو المدرسة التي يتخرج منها الرجال، الذين يفتحون قلوب العباد والبلاد بدعوة الإِسلام، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
المسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها دينهم الصحيح، من خلال الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، فقد علم النبي - ﷺ - أصحابه وزكاهم في مسجده، فتخرج من مسجد رسول الله - ﷺ - الصحابة - ﵃ - الذين فتحوا قلوب العباد والبلاد.
فمن أين تخرج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان وصهيب وغيرهم ﵃ أجمعين؟
المسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها النظام في كل شيء في أعمالهم، في بيوتهم، في شؤونهم، في أسواقهم، ففي المسجد رجل يؤذن للصلاة فإذا أمره الإِمام بإقامة الصلاة أقامها، ثم يتقدم الإِمام ليؤم الناس، فلا يتقدم أحد للإمامة إلا بعد إذنه وهذا هو النظام في أسمى صورة وأبهى حلته، ويقوم المسلمون أجمعون خلف هذا الإِمام صفوفًا معتدلة متساوية.
وكان النبي - ﷺ - يهتم بنفسه بتسوية هذه الصفوف وتعديلها ويأمر بها:
عن أبي مسعود - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يمسح مناكبنا في الصلاة،
[ ٢٥٦ ]
ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١).
فانظروا عباد الله!، يوم أن كانت الصفوف على عهد رسول الله - ﷺ - مستوية اتحدت القلوب، ويوم أن أصبحت الصفوف في أيامنا معوجة كانت القلوب مختلفة فتفرقت الأمة وضعفت، وقوي الأعداء علينا.
وعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه. ثم خرج يومًا فكاد أن يكبر فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف فقال: "عباد الله! لتُسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم" (٢).
وعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: "أقيموا الصفوف، حاذوا بين المناكب، سدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، من وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله" (٣).
وقال - ﷺ -: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" (٤).
فانظروا عباد الله! إلى هذا النظام، الصفوف مستوية خلف إمام واحد وهم ملتزمون بهديه، مقتدون بفعله، لا يكبرون حتى يكبر، ولا يركعون
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٤٣٢).
(٢) رواه مسلم (رقم ٤٣٦).
(٣) "صحيح سنن أبي داود" (١٦٢٠).
(٤) "صحيح الجامع" (٢٣٥٣).
[ ٢٥٧ ]
حتى يركع، ولا يرفعون حتى يرفع، ولا يسجدون حتى يسجد، ولا ينصرفون من الصلاة حتى ينصرف.
والذي يخالف هذا الإِمام وهذا النظام متوعد بالمسخ على لسان رسول الله - ﷺ -، قالﷺ -: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار" (١).
عباد الله! في المسجد ترى العدل والمساواة في أبهى صورها، فالغني بجوار الفقير، والكبير بجوار الصغير، والعامي بجوار الأمير، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
في المسجد ترى الرحمة من الإِمام على المأمومين، وترى السمع والطاعة من المأمومين للإمام، وهذا يعلم المسلمين السمع والطاعة للأمير العام، ويعلم الأمير الرحمة على الرعية التي استرعاه الله عليها.
فالرعية التي تربت في المسجد تسمع وتطيع لأميرها، وإن ضربها وأخذ أموالها ما لم يأمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
في المسجد تربى المسلمون على مراقبة الله في أعمالهم، فالذي يقف خمس مرات بين يدي ربه يمنعه ذلك من الإقدام على المعاصي والذنوب.