عباد الله! عندما وصل النبي - ﷺ - المدينة وبنى المسجد؛ آَخى بين المهاجرين والأنصار أخوةً تجعل المهاجري أولى بمال أخيه الأنصاري في الميراث من أهله وأقاربه والعكس، فضرب الأنصار المثل الأعلى في الوفاء بحق الأخوة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة.
عن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟
_________________
(١) مضى تخريجه.
[ ٢٦٥ ]
قال: سوق قينقاع.
فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء وعليه أثر صفرة، فقال له النبيﷺ -: "تزوجت"؟
قال: نعم. قال: "مَنْ؟ " قال: امرأةً من الأنصار قال: "وكم سقت؟ " قال: زنة نواةٍ من ذهب فقال له النبيﷺ -: "أولم ولو بشاة" (١).
عباد الله! عقد الأنصار عقد الإخاء بكل تسامح وإيثار، وهم أصحاب الأموال وأهل الديار، وعقد المهاجرون عقد الإخاء بكل عفة وزهد واستغناء، شاكرين لإخوانهم الأنصار حسن استقبالهم، وكرم ضيافتهم، وإن تعجب فاعجب من سعد بن الربيع وهو يعرض على أخيه عبد الرحمن بن عوف نصف ماله، ويزداد عجبك حين تسمع سعد بن الربيع وهو يقول لأخيه عبد الرحمن بن عوف: عندي زوجتان انظر إليهما فأيتهما أعجبتك فسمِّها لي؛ فأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجتها الله أكبر! الله أكبر ما هذا الذي نسمعه؟
لا تعجب فإن الإيمان إذا تمكن من القلوب فعل أكثر من ذلك.
وإن تعجب من حسن العرض، فاعجب أكثر وأكثر من حسن الرفض اعجب من قول عبد الرحمن بن عوف لأخيه سعد بن الربيع: بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ ثم ذهب إلى السوق وتاجر.
الله أكبر من أي مدرسة تخرج هؤلاء؟ إنها مدرسة محمَّد - ﷺ -.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٢٠٤٨).
[ ٢٦٦ ]