عباد الله! اليهود شعب مجرم لا يحب إلا نفسه، ولا يعرف إلا مصالحه؛ يعيش على حساب خراب بيوت الآخرين، دائمًا يُشعلون نار الحرب بين القبائل قديمًا وبين الدول حديثًا.
واليهود في المدينة هم الذين كانوا يشعلون نار الحرب بين الأوس والخزرج، فلما جاء النبي - ﷺ - إلى المدينة بالإِسلام، عرفوا وأيقنوا أن هذا الدين الجديد يقضي على مصالحهم الخبيثة، فنظروا إلى الرسولﷺ - والإِسلام نظرة حقد وحسد وبغض ولكنهم لم يستطيعوا أن يظهروا ذلك في أول الأمر.
ويظهر لنا ذلك من قصة إسلام عبد الله بن سلام عندما أرسل النبي - ﷺ - إلى اليهود فجاءوا فقال لهم رسول اللهﷺ -: "يا معشر اليهود؛ ويلكم اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقًا، وأني قد جئتكم بالحق من عنده"
فقالوا: ما نعلمه -وهذا يدل على ما في قلوبهم- علمًا أنهم يعرفون رسول اللهﷺ - حقًا كما يعرفون أبناءهم.
وعندما قال لهم: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
وعندما قال لهم عبد الله بن سلام: يا معشر اليهود! اتقو الله فوالله الذي
[ ٢٧٨ ]
لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق، فقالوا له: كذبت (وهذا يعبر عما في قلوب اليهود).
ويظهر لنا ذلك أيضًا مما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب -﵂- أنها قالت: كنت أحَبُّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر؛ لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه.
قالت: فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي؛ حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين -أي وقت صلاة الفجر-
قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس.
قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى
قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع. فوالله! ما التفت إلى واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ.
قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي، حيي بن أخطب: أهو هو؟ - وهذا هو الشاهد -أي: أهو الرسول الذي نعرفه في التوراة.
قال: نعم والله!
قال: أتعرفه وتثبته؟
قال: نعم
قال: فما في نفسك منه؟
قال: عداوته والله! ما بقيت -وهذا هو الشاهد- (١).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" (١/ ٥١٨ - ٥١٩).
[ ٢٧٩ ]
هذا هو موقف اليهود من الرسول - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة، حقد بغضاء حسد عداوة.