أولًا: في قوله - ﷺ -: "ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم".
وفي ذلك إشارة على أن الرجال لا يقعدون عالة على الناس بل يعملون ليأكلوا من عمل أيديهم، فالأنبياء يعملون في رعي الغنم ليكتسبوا مالًا يعيشون منه ولم يجلسوا متواكلين عالة على القوم.
وفيه إشارة إلى الإحسان إلى الحيوان.
وفيه إشارة أن الذين يرعون الغنم ويحافظون عليها، ويصبرون عليها ويرحمونها؛ يستطيعون بعد ذلك أن يرعوا الأمم والشعوب، ولذلك ما من
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ١٦٦٤)، ومسلم (رقم ١٢٢٠).
[ ٤٨ ]
نبي إلا وقد رعى الغنم في بداية حياته؛ لأن من وفق في رعي الغنم وفق في رعاية الأمم والشعوب.
وعليه فإنه عندما بعث رسولنا - ﷺ - رعى الأمة وحافظ عليها، وأخذ بأيد الأمة ناصحًا أمينًا يقودها إلى جنة عرضها السموات والأرض.
ثاتيأ: وفي قول الراهب بحيرى لأبي طالب: إني أخاف على هذا النبي من اليهود والروم؛ دليل على عداوة اليهود والنصارى للنبيﷺ - قبل بعثته وبعد بعثته، وقد أخبرنا الله بعداوتهم في كتابه فقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].
فأهل الكتاب عامة واليهود خاصة يبغضون رسول الله - ﷺ - والمسلمين ويعملون بالليل والنهار للقضاء على الإِسلام والمسلمين، وكما سيمر معنا في الحديث عن السيرة المحاولات الكثيرة التي حاولتها اليهود ليتخلصوا من رسول الله - ﷺ - وعلى سبيل المثال:
يقول أبوهريرة - ﵁ -: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله - ﷺ - شاة فيها سم. فقال رسول الله - ﷺ -: "اجمعوا إليَّ من كان ها هنا من اليهود"، فجُمعوا له. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ عنه؟ " فقالوا: نعم يا أبا القاسم: فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "من أبوكم" قالوا: أبونا فلان.
فقال رسول الله - ﷺ -: "كذبتم، بل أبوكم فلان" فقالوا: صدقت وبررت،
[ ٤٩ ]
فقال: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "من أهل النار؟ ". فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها. فقال - ﷺ -: "اخسئوا فيها، والله لا نخلفكنم فيها أبدًا. ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ " فقالوا: نعم فقال: "ما حملكم على ذلك؟ " فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك" (١)
قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [لمائد ة: ٨٢].
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٩، ٥٧٧٧).
[ ٥٠ ]