أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفىﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن المرحلة الأولى من مراحل الدعوة إلى الله تعالى ألا وهي المرحلة السرية في مكة.
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن الوحي نزل على رسولنا - ﷺ - بغار حراء وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
ولما ذهب رسولنا - ﷺ - إلى ورقة بن نوفل وقص عليه الخبر قال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، ثم قال له ورقة: ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، قال - ﷺ -: "أو مخرجي هم؟! " قال ورقة: نعم، لم يأت أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي" (١).
"وفتر الوحي": أي تأخر مدةً من الزمان، ولا يعلم على وجه التحديد كم دامت مدة انقطاع الوحي ولكن يبدو أنها لم تدم طويلًا، فقد روى ابن سعد عن ابن عباس -﵄- ما يفيد أنها كانت أيامًا (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٧)، (١٢/ ٣٦٠).
[ ٧٩ ]
عباد الله! وتأخر الوحي عن رسول الله - ﷺ - ليذهب عنه ما كان وجده من الروع وليحصل له التشوق إلى العود (١)، فلما حصل له ذلك، وأخذ يترقب مجيء الوحي، جاءه جبريل للمرة الثانية، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يحدث عن فترة الوحي قال: "بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بـ (حراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]، فحمى الوحي وتتابع" (٢)، أي حمى الوحي وتتابع في النزول على رسول الله - ﷺ -.
عباد الله! بالوحي الأول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) ..﴾ ثبتت النبوة لرسولنا - ﷺ -.
وبالوحي الثاني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) ..﴾ ثبتت الرسالة لرسولنا - ﷺ -.
أي: بالوحي الأول كان نبيًا وبالثاني كان رسولًا.
عباد الله! وقبل أن نتكلم عن المرحلة الأولى من مراحل الدعوة إلى الله تعالى ألا وهي المرحلة السرية، تعالوا بنا لنتعرف على أقسام الوحي، ومراتب الوحي الذي هو مصدر الرسالة ومدد الدعوة.
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (رقم ٤).
[ ٨٠ ]
فالله -﷿- قال لرسوله - ﷺ - ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، والذي نزل إلى رسولنا - ﷺليبلغه إلى الناس- هو الوحي الذي جاءه من الله -﵎- بواسطة جبريل ﵇.
قال ابن القيّم - ﵀وهو يذكر مراتب الوحي:
أحدها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه - ﷺ -، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال النبي - ﷺ -: "إن روح القدس (١) نفث في روعي (٢) أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته" (٣).
الثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلًا، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا، كما في حديث جبريل ﵇، عندما سأل النبي - ﷺ - عن الإِسلام، والإيمان، والإحسان، وكان في صورة رجل، فلما ولى قال - ﷺ -: "يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
_________________
(١) أي جبريل ﵇.
(٢) أي في نفسي.
(٣) صحيح بشواهده، انظر "صحيح الجامع" (٢٠٨١).
[ ٨١ ]
الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس. وكان أشده عليه، فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض -إذا كان راكبها- ولقد جاءه الوحي مرة كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضُّها (١).
الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.
السادسة: ما أوحاه الله -وهو فوق السماوات- ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن عمران ﵇.
عباد الله! نزل الوحي على رسولنا - ﷺ - في المرة الثانية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]، وفي هذه الآيات يأمر ربنا -جل وعلا- رسوله - ﷺ - أن يقوم بدعوة الناس إلى الله -﷿-.
عباد الله! أسئلة تدور في الذهن الآن.
من أين يبدأ رسول الله - ﷺ - دعوته؟
وكيف ييدأ رسول الله - ﷺ - دعوته؟
_________________
(١) انظر الأدلة في "زاد المعاد" (ص ٧٩، ٨٠).
[ ٨٢ ]
وإلام يدعو رسول الله - ﷺ - الناس؟
هل يبدأ رسول الله - ﷺ - دعوته بقلب نظام الحكم في مكة، ثم بعد ذلك يدعو الناس إلى الله تعالى؟
أم يبدأ بالبحث عن الوصول إلى المناصب العليا في مكة ثم يقوم من خلالها بدعوة الناس إلى الله تعالى؟ أم أنه يحاول أن يسيطر على اقتصاد مكة ليستطيع من خلاله أن يدعو الناس إلى الله تعالى؟
هل يبدأ رسول الله - ﷺ - بدعوة الناس لتحرير الأرض من الفرس والروم؟ أم يبدأ بدعوة الناس لتحسين الأوضاع الاقتصادية؟ أم يبدأ بتحريض الناس على ولاة الأمر؟
عباد الله! الجواب:
بدأ رسول الله - ﷺ - دعوته بالتوحيد، والتحذير من الشرك، كما بدأ الأنبياء قبله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وما من نبي أرسل إلى قومه إلا قال لهم: [يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره]، فبدأ رسولنا - ﷺ - بدعوة الناس إلى التوحيد، ويحذرهم من الشرك، ويذكرهم بيوم القيامة، ويبين لهم أن في هذا اليوم يبعث الله الخلائق ليحاسبهم على أعمالهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾. وأخذ رسول الله - ﷺ - يُزكي أصحابه بدعوتهم إلى كل خير قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
عباد الله! بدأ رسول الله - ﷺ - يدعو الناس سرًا إلى عبادة الله وحده، وترك
[ ٨٣ ]
عبادة الأوثان، فدعا إلى عبادة الله؛ القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الغلمان علي بن أبي طالب، ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته ﵇، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثه ﵃ أجمعين.
عباد الله! أخذ رسول الله - ﷺ - يدعو الناس في مكة إلى الله سرًا، لا يصطدم بكفار مكة ولا يتدخل في آلهتهم.
وهذه أمثلة على ذلك:
فهذا عمرو بن عبسة السلمي يخبرنا عن إسلامه فيقول: "كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله - ﷺ - مستخفيًا جُرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حرٌ وعبدٌ. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس!! ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت
[ ٨٤ ]
المدينة، فدخلت عليه " (١).
الشاهد يا عباد الله! أن الرسول - ﷺ - كان في المرحلة الأولى يدعو الناس سرًا.
عباد الله! وهذا عبد الله بن مسعود - ﵁ - يخبرنا عن إسلامه فيقول:
"كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى علي رسول الله - ﷺ - وأبو بكر، وقد فرا من المشركين فقال- أو فقالا-: عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما.
فقال: هل عندك من جذعةٍ لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله - ﷺ - الضرع ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلص فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله - ﷺ -. قلت: علمني من هذا القول الطيب -يعني القرآن- فقال رسول الله - ﷺ -: "إنك غلام معلم"، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد" (٢).
عباد الله! المرحلة الأولى في مكة في الدعوة إلى الله كانت سرية والسبب في ذلك، أن كفار مكة كانوا لا يسمحون لأحد أن يعتدي على آلهتهم، وأن يأتي بدين غير الذي هم عليه، ولذلك بدأ النبي - ﷺ - بالدعوة سرًا.
ولكن في الجمعة القادمة -إن شاء الله- سيتبين لكم أن الله -تبارك
وتعالى- يأمر رسوله أن يصدع بالدعوة فيدخل في المرحلة الجهرية.
فكثير من الجماعات التي سلكت طريقًا غير طريق المصطفى - ﷺ - يبدأون
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٨٣٢).
(٢) قال الألباني: إسناده حسن "صحيح السيرة النبوية" (ص ١٢٤).
[ ٨٥ ]
دعوتهم المنحرفة سرًا ويظنون أنهم بذلك يتأسون برسول الله - ﷺ -.
نقول لهم: لا، أنتم تعيشون في مجتمع مسلم تستطيعون أن تقولوا "لا إله إلا الله" وتحافظون على الصلاة، وتعلموا الناس دينهم، وتدعون الناس إلى التوحيد لا يمنعكم أحد من ذلك.
عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا:
١ - في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ أنه على الدعاة المخلصين أن يقوموا لهذا الدين فالله ﷾ يقول لرسولنا - ﷺ -: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾.
فعلى الدعاة أن يدعو الناس إلى عبادة الله وإلى عقيدة التوحيد كما بدأ رسول الله - ﷺ - فكثير من الناس يصلي وهو يشرك بالله، وكثير من الناس يصلي وهو يذهب إلى السحرة والمشعوذين، وكثير من الناس يصلي وهو يخاف ويعتقد أن السحرة والمشعوذين يضرون وينفعون وهذا شرك.
٢ - على الدعاة إلى الله أن يكونوا قدوة أمام الناس، فيعملوا بهذا العلم، ويتأسوا برسول الله - ﷺ -، فحرام على الداعي إلى الله أن يضع آلات اللهو في بيته، وحرام على الداعي إلى الله أن يضع أمواله في البنوك ليرابي بها، وحرام على الداعي إلى الله أن يقول ما لا يفعل.
٣ - على الدعاة المخلصين أن يقوموا لهذا الدين ولا يطلبون أجرًا من الناس، فأجرهم على الله وأجرهم عند الله، وأن يبدأوا بالعقيدة والتوحيد كما بدأ النبي - ﷺ -.
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
[ ٨٦ ]