قال - ﷺ -: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم.
فقلت: من هؤلاء يا جبربل؟
قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم" (٣).
عباد الله! الذين يغتابون المسلمين، ويأكلون لحوم الأبرياء في مجالسهم،
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٨٢).
(٢) "رياض الصالحين" رقم (١٠٨٦)، تحقيق الألباني.
(٣) "رياض الصالحين" رقم (١٥٣٤) تحقيق الألباني.
[ ١٩٦ ]
هذا عذابهم في حياة البرزخ جزاءً وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدًا، فليتق الله كل منا في لسانه؛ لأن اللسان إذا أُطلق في أعراض المسلمين أدخل صاحبه النار قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].
أي: كنا في الدنيا نخوض بألسنتنا بالباطل وأكل لحوم الأبرياء
وعن أبي هريرة - ﵁ -: "أن رجلًا قال: يا رسول الله إن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها" -أي النافلة- "ولكنها تؤذى جيرانها بلسانها، فقال - ﷺ -: "هي في النار".
قال رسول الله - ﷺ -! إن فلانة تُذكر من قلة صلاتها وصيامها وصدقتها، ولكنها لا تؤذى جيرانها بلسانها، قال - ﷺ -: "هي في الجنة".
وعن معاذ - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟
قال - ﷺ -: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه" فبعد أن أخبره ودله على أبواب الخير.
قال - ﷺ - له: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله".
قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: "كف عليك هذا".
قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟
فقال: "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا
[ ١٩٧ ]
حصائد ألسنتهم؟ " (١).
وقال - ﷺ - للرجل عندما سأله: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك؟ " (٢).
وقال - ﷺ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٣).
وقال رجل يا رسول الله! أي المسلمين أفضل، فقال - ﷺ -: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤).
وقد حذر النبي - ﷺ - الذين يأكلون لحوم الناس بألسنتهم، فقال - ﷺ -: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته" (٥).
فاتقوا الله يا معشر المسلمين في ألسنتكم وأمسكوها عن أعراض المسلمين، وعن الغيبة، فإنكم راجعون إلى الله وموقوفون بين يديه، وسائلكم عن ألسنتكم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج
_________________
(١) "رياض الصالحين" رقم (١٥٣٠) تحقيق الألباني.
(٢) "رياض الصالحين" رقم (١٥٢٨) الألباني.
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠١٨)، ومسلم (رقم ٤٧).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١١) ومسلم (رقم ٤٢).
(٥) "صحيح الجامع" (٧٨٦١).
[ ١٩٨ ]
رابعًا: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، والذين يدعون الناس إلى كل شر الذين يدعون الناس إلى الشرك والبدع والخرافات، الذين يدعون الناس إلى الحزبية البغيضة التي فرقت الأمة، الذين يحرضون المسلمين على ولاة أمرهم ليفسدوا في الأرض.
قال رسول الله - ﷺ -: "رأيت ليلة أسري بي- رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟
قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب؛ أفلا يعقلون؟! (١).
فهذا الخطيب الذي يقول للناس هذا حرام ثم يفعله، ويقول لهم هذا حلال ولا يفعله، خطيب السوء الذي يأمر بالبر وينسى نفسه، يأمر الناس بالحجاب وينسى امرأته وابنته، يأمر الناس أن يبتعدوا عن البنوك ويضع ماله في البنوك، يأمر الناس بالمحافظة على الصلاة وهو يضيع الصلاة، يحذر الناس من الكذب وهو يكذب، يحذر الناس من الغيبة والنميمة وهو واقع فيها هذا خطيب لا عقل له، قال رب العزة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
ونقول لهذا الخطيب:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام من الضنا كيما يصح به وأنت سقيم
_________________
(١) قال الشيخ الألباني ﵀ حديث حسن انظر كتاب "الإسراء والمعراج" ص (٥٢).
[ ١٩٩ ]
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
والله ﷾ يمقت ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
وقد أخبر النبي - ﷺ - عن عذاب الذي يقول للناس ويخالف بفعله ما يقول، فقال - ﷺ -: "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (١).
أمة الإِسلام! خطباء السوء "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، وهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا" (٢).
فاحذروهم يا عباد الله!.
فهذا حذيفة - ﵁ - قال: يا رسول الله: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال - ﷺ -: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (٣).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٢٦٧)، ومسلم (رقم ٢٩٨٩).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٦٠٦)، ومسلم (رقم ١٨٤٧).
(٣) متفق عليه، قطعة من الحديث الذي قبله.
[ ٢٠٠ ]
فيا أمة الإِسلام! فوالله إني لكم لناصح أمين، فإن وجدتم المنابر قد صعد إليها الخطباء الذين يدعون إلى الحزبية البغيضة، ولا هم لهم إلا أن يحرضوا الناس على ولاة الأمر، ويجعلون بلاد المسلمين بركة من الدماء، فاحذروهم، وارجعوا إلى عقيدة التوحيد وإلى منهج رسول الله - ﷺ - وإلى ما كان عليه الصحابة، كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكما قال النبي - ﷺ -: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة" قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١).
وقال - ﷺ -: "إياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليه بالنواجذ" (٢).
أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من المتبعين لرسوله - ﷺ -.
_________________
(١) حسن بشواهده.
(٢) صحيح، أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦).
[ ٢٠١ ]