الله ﷿ يخبرنا بذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٣]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى عن القسيسين والرهبان: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٤].
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (٨٥ - ٨١).
[ ٦٤ ]
ومن الأمثلة على ذلك:
١. سلمان الفارسي - ﵁ - أخبر في قصة إسلامه الطويلة:
"أنّ راهب النصارى عندما حضرته الوفاة طلب منه سلمان أن يوصيه، فقال الراهب: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبيٍّ يُبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه".
"ثم قص سلمان خبر قدومه إلى المدينة واسترقاقه، ولقائه برسول الله حين الهجرة، وإعطاءه له طعامًا على أنه صدقة فلم يأكل منه الرسول، ثم إعطاءه له طعامًا على أنه هدية وأكله منه، ثم رؤيته خاتم النبوة بين كتفيه وإسلامه على أثر ذلك" (١).
٢. وقال هرقل ملك الروم: "فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم إني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه" (٢).
٣. وقال رجال من الأنصار: "إن مما دعانا إلى الإِسلام -مع رحمة الله تعالى
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (ص ١٢٢)، و"صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٧٠).
(٢) رواه البخاري (٧).
[ ٦٥ ]
وهداه لنا- لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن؛ نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول الله - ﷺ - أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩] " (١).
٤. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري عمّ كان إسلام ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيد، وأسد بن عبيد؟ - نفر من بني هدل إخوة بني قريظة؛ كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإِسلام- قال: قلت: لا والله. قال: فإن رجلًا من اليهود من أرض الشام يقال له: ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحلّ بين أظهرنا، لا والله؛ ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان! فاستسق لنا. فيقول: لا والله؟ حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة.
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٥٧).
[ ٦٦ ]
فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا، فوالله، ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقى. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث.
قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود! ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف (١) خروج نبي قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجرة، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.
فلما بعث رسول الله - ﷺ -، وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية- وكانوا شبابًا أحداثًا-: يا بني قريظة! والله، إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله؛ إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم (٢).
عباد الله! أخبار وأدلة كثيرة تبشر برسولنا - ﷺ -، أردنا أن نذكر بها قبل أن نتكلم عن مرحلة بدء الوحي والبعثة التي يُبعث فيها النبي - ﷺ -، لتزدادوا إيمانًا مع إيمانكم، ولتعلموا أن دينكم هو الحق، وأن رسولكم هو الحق، فتتمسكوا بدينكم وبسنة نبيكم، ولتثبتوا عند الفتن.
_________________
(١) أي: أتوقع وأنتظر.
(٢) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (٦٠ - ٦١).
[ ٦٧ ]
فيا عباد الله! احمدوا الله أن جعلكم من المسلمين، فعزتكم في دينكم، وإن طلبتم العزة بغير الإِسلام أذلكم الله.
فقد قال عمر - ﵁ -: كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله.
اللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.
[ ٦٨ ]