أخبرنا الله -﷿- في كتابه أن محمدًا - ﷺ - بشر به في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٥٢).
(٢) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٥٢).
[ ٦١ ]
فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
ومن الأمثلة على ذلك: أن محمدًا - ﷺ - بشر به في التوراة والإنجيل:
١. عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة، قال: أجل؛ والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء؟ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا" (١).
ولكن لماذا لم يؤمنوا به؟ حسدًا من عند أنفسهم.
٢. دخل النبي - ﷺ - على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها، يعزي بها على نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "أنشدك بالذي أنزل التوراة؛ هل تجدني في كتابك ذا، صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا؛ أي: لا. فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة؛ إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال - ﷺ -: "أقيموا اليهودي عن أخيكم" ثم ولي كفنه
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم٢١٢٥)، "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٧٧).
[ ٦٢ ]
والصلاة عليه (١).
الشاهد: أن هذا الفتى في اللحظات الأخيرة قال: إي والله إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ولكن كتموا ذلك حسدًا وبغيًا.
٣. وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي - ﷺ - يومًا وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم فقال - ﷺ - لهم: "يا معشر اليهود! أروني اثني عشر رجلًا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم"، قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحدٌ! ثم رد عليهم، فلم يجبه منهم أحد فقال - ﷺ -: "أبيتم! فوالله، إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى، آمنتم أو كذبتم" ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمَّد! فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله؟ ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. فقالوا: كذبت! ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذ آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم"، قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله - ﷺ -، وأنا،
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٧٣).
[ ٦٣ ]
وعبد الله بن سلام وأنزل الله تعالى فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠] (١).
الشاهد يا عباد الله! أن عبد الله بن سلام علم من التوراة أن هذه الصفات التي جاء بها محمَّد - ﷺ - موجودة عندهم في التوراة، فلما وجدها في رسول الله - ﷺ - آمن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وخرج مع رسول الله - ﷺ - فالحمد لله على نعمة الإِسلام والسنة.