عن ابن عمر - ﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: "اللهم! أعز الإِسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال: فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب" (٣).
عباد الله! استجاب الله -﵎- دعاء رسول الله - ﷺ -، فأسلم عمر بن الخطاب - ﵁ -، فاعتز به الإِسلام وفرح المسلمون بإسلامه فرحًا عظيمًا، وازدادوا بإسلامه قوة ومنعة وعزة ورفعة.
قال ابن مسعود - ﵁ -: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر" (٤).
_________________
(١) قال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٦٢): "رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقات إلا شريح بن عبيد لم يدرك عمر، فالحديث ضعيف لانقطاعه".
(٢) انظر "السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري (١/ ١٨٠).
(٣) انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٩٣).
(٤) رواه البخاري (رقم ٣٦٨٤).
[ ١٦٢ ]
وقال أيضًا: "لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي" (١).
وقال أيضًا: "إن إسلامه كان نصرًا" أي للإسلام والمسلمين (٢).
وقال ابن عباس -﵄- لعمر بن الخطاب حين طعن: "فلما أسلمت كان إسلامك عزًا، وأظهر الله بك الإِسلام ورسول الله وأصحابه" (٣).
لما أسلم عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يرض أن يستخفي كما يستخفي المسلمون، بل أصر على إعلان إسلامه، وإظهار دينه، والجهر بصلاته.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عمر -﵄- وهو يخبرنا الخبر: عن ابن عمر قال: "لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه.
قال عبد الله: وغدوت أتبع أثره، وانظر ما يفعل- وأنا غلام أعقل كل ما رأيت- حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسملت ودخلت في دين محمَّد - ﷺ -؟
قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ!
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" (٣/ ٢٧٠) بإسناد صحيح.
(٢) "المعجم الكبير للطبراني" (٩/ ١٨١) بإسناد حسن.
(٣) "المعجم الأوسط للطبراني" (١/ ٣٣٤) بإسناد حسن.
[ ١٦٣ ]
قال: يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم.
قال: وطلح (أي أعيا) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فاحلف بالله أن لو كنا ثلاث مئة رجلٍ لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا قال: فبينما هم على ذلك؛ إذ أقبل شيخ من قريش -عليه حلة حبرة وقميص موشى- حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟
فقالوا: صبأ عمر! قال: فمه؛ رجل اختار لنفسه أمرًا؛ فماذا تريدون؟! أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟! خلوا عن الرجل، قال: فوالله؛ لكأنما ثوبًا كُشط عنه.
قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى (المدينة): يا أبت! من الرجل الذي زجر القوم عنك بـ (مكة) يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟
قال: ذاك أي بني! العاص بن وائل السهمي (١).
قال ابن عباس -﵄-: "أول من جهر بالإِسلام عمر بن الخطاب" (٢)، أسلم عمر وانتشر الخبر وازداد الكفار همًا وغمًا، وازداد المسلمون فرحًا وعزة ومنعة بإسلام عمر.
عباد الله! ولم يكتف عمر - ﵁ - بذلك بل طلب من النبي - ﷺ - أن يُعلن إسلامه في كل مجلس كان يجلسه في الكفر.
_________________
(١) إسناده جيد قوي، انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٩١).
(٢) رواه الطبراني، وإسناده حسن، كما في "المجمع" (٩/ ٦٣).
[ ١٦٤ ]
عن عمر - ﵁ - أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إني لا أدع مجلسًا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإِسلام، فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة، فجعل يُعلن الإِسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فثار المشركون، فجعلوا يضربونه ويضربهم، فلما تكاثروا خلصه رجل" (١).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عمر - ﵁ -:
اْولأ: أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل: فقد انتفع عمر بن الخطاب بدعاء النبي - ﷺ -.
فاحذر يا أيها المسلم أن تبخل على نفسك وعلى إخوانك بالدعاء، فالدعاء مستجاب، وليس شيء أكرم على الله -﵎- من الدعاء، فادع الله -﵎- واسأله من فضله.
ثانيًا: يجوز للمسلم أن يدعو للكافر بالهداية، فقد دعا النبي - ﷺ - لعمر بن الخطاب بالهداية، فقال - ﷺ -: "اللهم أعز الإِسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب" فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب.
وقد دعا النبي - ﷺ - لأم أبي هريرة بالهداية، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كنت أدعو أمي إلى الإِسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله - ﷺ - ما أكره، فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإِسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقات كما قال الهيثمي.
[ ١٦٥ ]
أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال - ﷺ -: "اللهم اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرًا بدعوة النبي - ﷺ - فلما جئت فصرت إلى الباب وقرُبت منه، فإذا هو مجاف، فسمعتْ أمي خَشَفَ قدمي، فقال: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله! أبشر، فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وقال: "خيرًا".
عباد الله! إذا كان الدعاء للكافر بالهداية جائز ومشروع، فالدعاء للمسلم العاصي بالتوبة والرجوع إلى الله من باب أولى، فإذا رأيت مسلمًا عاصيًا فادع الله أن يرده إلى الإِسلام، وأن يعود إلى ربه، فدعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند الرب -﵎-.
ثالثًا: المسلم عزيز بإسلامه والكافر ذليل بكفره، فهذا عمر بن الخطاب اعتز بإسلامه فاعلن به بكل عزة وفخر أمام الكفار، كيف لا، وهو الذي قال: "كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله".
أمة القرآن: أما آن الأوان أن نعود إلى إسلامنا لنعتز به فقط، ولا نعتز بغيره، فيا عباد الله! الرجوع الرجوع إلى الإِسلام فإن فيه والله العزة، وبه تنتصرون على أعدائكم.
اللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.
[ ١٦٦ ]