وقفات تربوية مع سيرة رسول الله - ﷺ -، وأصحابه الكرام - ﵃ - فيها دروس وعظات وعبر.
عباد الله! وهذا العنوان أخذناه من كتاب ربنا من قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
عباد الله! وهذه الآية الكريمة هي الآية الأخيرة من (سورة الفتح) التي قال الله فيها لرسوله - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُّبِينًا (١)﴾ وهذا اليوم الذي نبدأ فيه هذه السلسلة من المواعظ: هو اليوم الأول من السنة الهجرية لعام ألفٍ وأربع مئة وثلاثة وعشرين (١٤٢٣هـ)، وهذا يوم يذكرنا بهجرة النبي - ﷺ - من مكة إلى المدينة ليقيم دولة الإِسلام في المدينة، والتي فتح من خلالها قلوب العباد والبلاد؛ فبهذه المناسبة -نسأل الله -﵎- فهو الجدير بالإجابة- أن يجعل هذه السلسلة من المواعظ سببًا لهجرة المسلمين إلى ربهم ليعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وإلى سنة رسولهم ليتبعوه وحده ويبتعدوا عن البدع والخرافات، وأن يعودوا إلى منهج الصحابة - ﵃ - وأن يتركوا السبل القصيرة التي على كل سبيل منها شيطان يدعُ الناس إليه، وأن يكون ذلك سببًا للفتح المبين ولنصر المسلمين على أعداء الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
[ ٦ ]
عباد الله! في هذه الآية الكريمة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اَللهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ﴾ يثني ربنا جل وعلا على رسوله - ﷺ - وعلى الصحابة الكرام، ففي قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اَللهِ﴾: يخبرنا ربنا جل وعلا عن محمَّد - ﷺ - أنه رسوله حقًا بلا شك ولا ريب، وهو خاتم الرسل والأنبياء فلا نبي بعده ولا رسول بعده.
وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ثناء من الله تعالى على صحابة رسول الله - ﷺ - في تعاملهم مع الكفار بالشدة، ومع المؤمنين بالرحمة والعطف، فالكافر الذي هو عدو لله ولرسوله - ﷺ - يُعَامَلُ بشدةٍ وغلظةٍ، والمؤمن الذي رضي بالله ربًا وبالإِسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا يُعَامَلُ بالعطف والرحمة والمحبة والحنان.
كيف لا، والله -﷿- يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
عباد الله! الإخوة رابطة قوية، تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
ويبين - ﷺ - شدة هذه الرابطة.
فيقول - ﷺ -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وشبك بين أصابعه (١).
ويقول - ﷺ -: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (٢).
فإذا نظرنا يا عباد الله! إلى أحوال المسلمين الآن، فإنه ينطبق علينا العكس تمامًا إلا من رحم ربي، رحماء مع الكفار أشداء فيما بيننا و"إنا لله وإنا إليه راجعون".
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٤٨١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٥).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٦٠١١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٦).
[ ٧ ]
عباد الله! وفي قوله تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.
بعد أن بين الله -﵎- كيف يتعامل الصحابة مع الخلق، يخبرنا عنهم كيف يتعاملون مع الخالق؛ فهم يتقربون إلى الله -﷿- بالأعمال الصالحة تراهم ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ وفي موضع آخر ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
ماذا يريدون بهذه العبادة؟ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ يريدون بعبادتهم وجه الله، يريدون بعبادتهم رضا الله والجنة، إيمان صادق، أعمال صالحة، إخلاص لله -﷿-. فظهر ذلك على وجوههم قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ انظر إلى رجل في صلاة الفجر بات لله ساجدًا وقائمًا ترى النور يعلو وجهه، وانظر إلى رجل ترك الصلاة وأكل الربا وبات على معصية الله ترى على وجهه السواد والغبرة، ثم يخبر ربنا جل وعلا أن مثل الصحابة هذا موجود في التوراة قبل تحريفها ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ انظر إلى النبات كيف يبدأ صغيرًا ثم يكبر، ثم يخرج شطأه -أي فراخه- ثم يثمر ويعجب الزراع حينذاك.
فالصحابة بدأوا قلة ثم كثروا ثم قامت لهم قائمة، ثم كانت لهم دولة فغاظوا بذلك الكفار وفتحوا الدنيا من مشرقها إلى مغربها. ولذلك وعدهم الله تعالى بالمغفرة والأجر العظيم.
فقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.
[ ٨ ]
عباد الله! وهذا سؤال:
ما هي الفائدة من دراسة سيرة النبي - ﷺ -، وسيرة أصحابه الكرام -﵃-؟
عباد الله! الفوائد من دراسة السيرة النبوية وسيرة الصحابة -﵃- كثيرة وكثيرة جدًا، ومنها:
الفائدة الأولى: معرفة أسباب نزول كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا مما يعين على فهمهما والاستنباط منهما أو معايشة أحداثهما. فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ قالوا: نزلت في صهيب الرومي - ﵁ - عندما أراد أن يهاجر من مكة إلى المدينة، فأتبعه نفر من قريش فقالوا له: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر مالك عندنا، فبلغت ما بلغت، ثم تنطلق بنفسك ومالك؟! والله لا يكون ذلك، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجالًا، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي من يدي منه شيء فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي قالوا: نعم، ففعل.
فلما قدم على النبي - ﷺ - قال "ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع"، ونزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (١).
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢٢٨) والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٣٩٨) وقال عقبه: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وانظر "أسباب النزول" للواحدي (ص ٣٩)، و"فقه السيرة" (ص ١٦٦) وتعليق شيخنا الألباني - ﵀- عليه.
[ ٩ ]
وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]
الفائدة الثانية: معرفة الطريق الذي يوصل إلى رضا الله والجنة ويتمثل فيما يلي:
أولًا: في عبادة الله وحده والابتعاد عن الشرك.
ثانيًا: في اتباع النبي وحده والابتعاد عن البدع والخرافات.
ثالثًا: في سلوك منهج الصحابة الكرام والابتعاد عن سبل الشيطان.
عباد اللهَ! والصحابة - ﵃ - ضربوا لنا مثلًا أعلى في عبادتهم لله، وفي اتباعهم للنبي - ﷺ -، وقد جاءت أدلة في الكتاب والسنة تأمر المسلمين أن يسلكوا منهج الصحابة؛ لأنهم قوم رضي الله عنهم ورضوا عنه، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
ويقول - ﷺ -:"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار، إلا ملة واحدة" قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (١).
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٢٥١٩).
[ ١٠ ]
ويقول - ﷺ -: " .. وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي -أي طريقتي- وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (١).
عباد الله! فعندما ندرس سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه يتبين لنا الطريق الذي يوصل إلى رضا الله والجنة.
الفائدة الثالثة: يعرف المسلمون من أين ينطلقون وكيف يبدؤون.
فالرسول - ﷺ - بُعث في الناس وهم في ضلال مبين يعبدون الأصنام ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، والقوي يأكل الضعيف، ويشربون الخمر. من أين بدأ النبي - ﷺ - دعوته لهذا المجتمع الذي يتقلب في الضلال المبين؟ هل بدأ بالمواجهة المسلحة فأعلنها حربًا وتدميرًا وإرهابًا للكفار في مكة؟
الجواب: لا.
هل بدأ بدخول البرلمانات النيابية والوصول إلى المناصب العليا في البلاد لتوصيل الإِسلام لهم؟
الجواب: لا.
هل بدأ - ﷺ - برفع راية الجهاد أولًا لتحرير الأرض من يد الفرس والروم؟
الجواب: لا.
هل بدأ بثورة إصلاحية لتصحيح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟
الجواب: لا.
ولكنه - ﷺ - بدأ بدعوة الناس أولًا إلى عقيدة التوحيد؛ إلى "لا إله إلا الله"؛ وهذه هي دعوة الأنبياء كلهم قبله.
_________________
(١) "صحيح الترمذي" (رقم ٢١٥٧) "صحيح ابن ماجه" (٤٢)، "رياض الصالحين" (رقم ١٦١، ١٧٥، ٧٠٧) تحقيق الألباني.
[ ١١ ]
كلُّ نبيٍّ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
أمة الإِسلام! انظروا معي إلى الساحة الإِسلامية في هذه الأيام:
فريق من المسلمين ظنوا أن المواجهة المسلحة مع الباطل هي الطريق الصحيح؛ فبدأوا بالقتل والاغتيالات والتفجيرات للمسلم وغير المسلم، ومنهم من كَفَّرَ أباه وأمه، واستحل دمه، ومع ذلك فقد وصلوا إلى طريق مسدود وضاعت الثمار والجهود.
وفريق آخر ظنَّ أن الطريق الوحيد لقيام الدولة الإِسلامية هو الدخول في البرلمانات ومجالس الأمة، والوصول إلى المناصب العالية في الدولة ومن خلالها يخدمون الإِسلام، ومنهم مَنْ وصل إلى هذه المناصب وما وجدنا أنهم قدموا خدمة للإسلام والمسلمين، إلا أنهم قدموا خدمة لحزبهم؛ من جمع الأموال والوصول إلى المناصب.
فما هو الطريق؟
الطريق هو طريق النبي - ﷺ -؛ دعوةُ الناس إلى العقيدة الصحيحة فكم من المسلمين يشرك بالله؟ وكم من المسلمين يطوف بالقبور؟ وكم من المسلمين يدعو غير الله؟ وكم من المسلمين يذبح لغير الله؟ فلا بد أن نبدأ بدعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة أولًا.
فإن عادت الأمة إلى ربها وإلى سنة نبيها وإلى منهج الصحابة - ﵃ - فهم بذلك قد غيروا من أنفسهم، ومن سنن الله -﵎-
[ ١٢ ]
التي لا تتبدل ولا تتغير ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
عباد الله! لا بد أن يبدأ التغير منا، كما أخبر النبي - ﷺ - فقال: "إذا تبايعتم بالعينة"، -وهو نوع من أنواع الربا- "وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١).
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
الفائدة الرابعة: معرفة أسباب النصر وأسباب الهزيمة
إذا درسنا السيرة النبوية، وسيرة أصحاب النبي - ﷺ - عرفنا أسباب النصر، وأسباب الهزيمة.
فمن أسباب النصر:
- الثقة بالله ﷿.
- التوكل عليه وحده.
- التضرع إليه.
- الأخذ بالأسباب الموصلة إلى النصر مع عدم الثقة بالأسباب.
- الإيمان بأن النصر من عند الله.
_________________
(١) "السلسلة الصحيحة" (رقم ١١)، "صحيح الجامع" (٤١٦).
[ ١٣ ]
وبالمثال يتضح المقال: في غزوة بدر يقول الله -﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
قلوب طاهرة من الشرك يطلبون المدد من الله -﷿- وحده.
عباد الله! كم من المسلمين الآن إذا اشتدت بهم الأمور يطلب المدد من أصحاب القبور؟ وهذه العقيدة فاسدةٌ عند أهل الضلاَّل يقولون: إذا اشتدت الأمور فعليكم بأصحاب القبور -أي: استغيثوا بأصحاب القبور-، أما الصحابة - ﵃ - فإنهم طلبوا المدد من الله يوم بدر. ولذلك امتن الله -﵎- على المؤمنين بهذا النصر في يوم بدر، فقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
عباد الله! وفي يوم الأحزاب
يقول الله -﷿- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٢].
عباد الله! انظروا إلى الصحابة ماذا قالوا:
[ ١٤ ]
يقول الله -﷿-: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ إلى أن قال رب العزة: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٣ - ٢٥].
عباد الله! ومن أسباب الهزيمة:
- حب الدنيا.
- مخالفة الأوامر الشرعية.
ويظهر ذلك يوم أحد، فقد بدأت المعركة بنصر كبير للمسلمين، وخالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل فتحول النصر إلى هزيمة فلما تعجب الصحابة لما أصابهم أنزل الله -﵎-: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥].
أنتم السبب، الله أكبر، مخالفة واحدة كان ما كان من تحويل النصر إلى هزيمة؟! نعم، فكيف بنا يا أمة الإِسلام؟ وقد فسدت العقيدة، وترك الكثيرون الصلاة، وأكلنا الربا، وتبرجت النساء، وتركنا صلاة الجماعة، إلا من رحم ربي.
عباد الله! وفي يوم حنين، التفتوا إلى الكثرة، وأعجبتهم كثرتهم؛ فكانت الهزيمة في بداية المعركة ولكن الله سلَّم.
[ ١٥ ]
ولذلك قال الله -﷿-: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
الفائدة الخامسة: دراسة سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام؛ زادٌ نافع لكل مسلم.
فالدعاة إلى الله -﷿- يتعلمون كيف يدعون الناس إلى عبادة الله؟
والقائد يتعلم من سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه كيف تكون القيادة؟
والجندي يتعلم من سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه كيف تكون الجندية؟
والمربي يتعلم من سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه كيف تكون التربية؟
فالرسول - ﷺ - وأصحابه الكرام ضربوا لنا مثلًا أعلى في ذلك، ولذلك أمرنا الله -﷿- أن نتأسى برسول الله - ﷺ - في كل شيء، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وأمرنا الله -﷿- أن نطيعه في كل أمر، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
[ ١٦ ]
وأخبرنا ربنا -جل وعلا- أن في طاعة النبي - ﷺ - الهداية إلى كل خير فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وحذر ربنا -جل وعلا- المؤمنين من مخالفة أمره فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وأثنى الله -﷿- على صحابة رسوله - ﷺ - وعلى من تبعهم بإحسان قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
الفائدة السادسة: أن نتعلم من السيرة أخلاق النبي - ﷺ - فالله -﷿- وصفه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فماذا كان خلقه - ﷺ -؟
سئلت عائشة -﵂ - عن خلق رسول الله - ﷺ - فقالت: "كان خلقه القرآن" (١).
الفائدة السابعة: نتعلم من السيرة المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدًا - ﷺ -.
فمثلًا عندما طلب الكفار آية على صدقة أنه رسول أشار بيده إلى القمر فانشق نصفين، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، ومع ذلك ما زاد الكفار إلا طغيانًا كبيرًا.
وقد وضع النبي - ﷺ - يده في الإناء ففاض الماء من بين أصابعه إلى غير ذلك من المعجزات التي نتكلم عنها في وقتها سائلين المولى في علاه أن ينفعنا بدراسة هذه السيرة للنبي - ﷺ - وأصحابه الكرام وهذه المواعظ تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: دراسة سيرة النبي - ﷺ - وهذا الذي نبدأ به من الجمعة
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٧٤٦)، وذكره النووي في "رياض الصالحين" (رقم ١٨٥٦ - تحقيق الألباني).
[ ١٧ ]
القادمة -إن شاء الله تعالى-.
والقسم الثاني (١): دراسة سيرة الصحابة ونبدأ بها -إن شاء الله تعالى- إذا انتهينا من الكلام عن سيرة رسول الله - ﷺ -.
اللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.
_________________
(١) وهذا سيكون في كتاب مستقل غير هذا سميته: "رجالٌ صدقوا".
[ ١٨ ]