عن عبد الله بن عمرو [(١)] رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» [(٢)] وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.
رواه مسلم.
زاد صاحب اللطائف: ومن جملة ما كتب في الذّكر وهو أمّ الكتاب: أن محمدا ﷺ خاتم النبيين.
وعن العرباض- بكسر العين المهملة- ابن سارية [(٣)] رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته [(٤)] .
رواه الإمام أحمد [(٥)] والحاكم وصححه.
قال الطيبي [(٦)] في «شرح المشكاة»: «انجدل» مطاوع جدله إذا ألقاه على الأرض، وأصله الإلقاء على الجدالة- بفتح الجيم والدال المهملة- وهي الأرض الصّلبة وهذا على سبيل إنابة فعل مناب فعل، يعني لا يجوز إجزاء منجدل على أن تكون مطاوعا لجدل لما يلزم منه أن يكون آدم منفصلًا من الأرض الصلبة، بل هو ملقّى عليها. والطينة: الخلقة من قولهم: طانه الله على طينتك. والجارّ الذي هو «في» ليس بمتعلق بمنجدل، لما يلزم منه أن يكون آدم مظروفًا في طينته، إنما هو خبر ثان لأنّ، والواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب،
_________________
(١) [(١)] عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم السهمي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين، من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليال الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح. تقريب التهذيب ١/ ٤٣٦. [(٢)] أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٤٤ في كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى ﵉ (١٦- ٢٦٥٣) . [(٣)] عرباض، بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وآخره معجمة، ابن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي، كان من أهل الصفة، ونزل حمص، ومات بعد سبعين. تقريب التهذيب ٢/ ١٧. [(٤)] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٦٦، ١٢٨ وأبو نعيم في الدلائل ١/ ٩ وابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٣٢١ وذكره الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٢٦ وزاد نسبته للطبراني والبزار. [(٥)] أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، نزيل بغداد، أبو عبد الله، أحد الأئمة، ثقة حافظ، فقيه حجة، وهو رأس الطبقة العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين، وله سبع وسبعون سنة. التقريب ١/ ٢٤. [(٦)] الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي الإمام المشهور صاحب شرح المشكاة وحاشية الكشاف وغيرهما. كان في مبادئ عمره صاحب ثروة كبيرة فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى إن كان في آخر عمره فقيرا وكان كريما متواضعا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة مظهرا فضائحهم مع استيلائهم على بلاد المسلمين في عصره شديد المحبة لله ولرسوله كثير الحياء ملازما للجمعة والجماعة ملازما لتدريس الطلبة في العلوم الإسلامية. انظر البدر الطالع ١/ ٢٢٩.
[ ١ / ٧٧ ]
والمعنى: كتبت خاتم الأنبياء في الحال الذي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء تخلّقه لمّا يفرغ من تصويره وإجراء الروح.
وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب [(١)] رحمه الله تعالى في اللطائف: المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي ﷺ كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله تعالى ويخرجه إلى دار الدنيا حيًّا، وأن ذلك كان مكتوبًا في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم ﷺ، وفسّر أمّ الكتاب باللّوح المحفوظ وبالذّكر في قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سأل عن أمّ الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه كن كتابًا. فكان كتابًا.
ولا ريب أن علم الله تعالى قديم أزلي لم يزل عالمًا بما يحدثه من خلقه، ثم إن الله تعالى كتب ذلك عنده في كتاب عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
وفي صحيح البخاري [(٢)] عن عمران بن حصين [(٣)] رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلّ شيء، ثم خلق السماوات والأرض»
[(٤)] .
وقوله في هذا الحديث:
«إني عند الله في أم الكتاب»
ليس المراد به- والله أعلم- أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبًا في أم الكتاب في ذلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق الله تعالى من النوع الإنساني.
وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحالة وجبت له ﷺ النبوة. وهذه مرتبة ثالثة وهو
_________________
(١) [(١)] عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقي، أبو الفرج، زين الدين: حافظ للحديث، من العلماء. ولد في بغداد ونشأ وتوفي في دمشق. من كتبه «شرح جامع الترمذي» و«جامع العلوم والحكم» و«فضائل الشام- خ» و«الاستخراج لأحكام الخراج» و«القواعد الفقهية» و«لطائف المعارف» و«فتح الباري، شرح صحيح البخاري» لم يتمه، و«ذيل طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى» و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس» و«أهوال القبور» و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة- ط» وغير ذلك توفي سنة ٧٩٥ هـ. الأعلام ٣/ ٢٩٥. [(٢)] محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، أبو عبد الله البخاري، جبل الحفظ، وإمام الدنيا، ثقة الحديث، من الحادية عشرة، مات سنة ست وخمسين، في شوال، وله اثنتان وستون سنة التقريب ٢/ ١٤٤. [(٣)] عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلا، مات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة. التقريب ٢/ ٨٢. [(٤)] أخرجه البخاري ٤/ ٢٢٢، كتاب بدء الخلق باب في قول الله تعالى وَهُوَ الَّذِي (٣١٩١) .
[ ١ / ٧٨ ]
انتقاله ﷺ من رتبة العلم والكتابة إلى رتبة الوجود العيني الخارجي. فإنه ﷺ استخرج من ظهر آدم ونبئ فصارت نبوّته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب.
فعن ميسرة- بفتح الميم وسكون المثناة التحتية- الفجر [(١)]- بفتح الفاء وسكون الجيم- رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» .
رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم وصححه.
قال الإمام أحمد في رواية منها: وبعضهم يرويه متى كتبت من الكتابة؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد» . رواه ابن عساكر
فتحمل هذه الرواية مع حديث العرباض السابق على وجوب نبوته ﷺ وثبوتها وظهورها في الخارج، فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب شرعًا كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أو قدرًا كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟
قال: «وآدم بين الروح والجسد» [(٢)] .
رواه الترمذي [(٣)] وحسنه.
وعن الصّنابحيّ [(٤)] مرسلًا- وهو بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة ومهملة- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله متى جعلت نبيا؟
قال: «وآدم بين الروح والجسد» [(٥)] .
رواه أبو نعيم
[(٦)] .
_________________
(١) [(١)] ميسرة الفجر وهو أبو بديل بن ميسرة العقيلي الذي روى عن عبد الله بن شقيق، الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٤٢. [(٢)] أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ٥/ ٥٨٥ كتاب المناقب باب في فضل النبي ﷺ (٣٦٠٩) قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي الباب عن ميسرة الفجر والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٠٩ كتاب التاريخ باب ذكر مراكبه ﷺ، والبيهقي في دلائل النبوة ٢/ ١٣٠. [(٣)] محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحّاك السّلمي التّرمذي أبو عيسى، صاحب الجامع، أحد الأئمة، ثقة حافظ من الثانية عشرة، مات سنة تسع وسبعين، التقريب ٢/ ١٩٨. [(٤)] عبد الرحمن بن عسيلة، بمهملة، مصغرا، المرادي، أبو عبد الله الصّنابحي، ثقة، من كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبي ﷺ بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك، التقريب ١/ ٤٩١. [(٥)] أخرجه أبو نعيم في الدلائل ١٧. [(٦)] أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الحافظ الكبير، أبو نعيم، الأصفهاني. الجامع بين الفقه والتصوف والنهاية في الحديث وله التصانيف المشهورة، منها كتاب «الحلية» وهو كتاب جليل حفيل، وكتاب «معرفة الصحابة»، وكتاب «دلائل النبوة»، وكتاب «تاريخ أصفهان» . قال الخطيب البغدادي: لم ألق في شيوخي أحفظ منه ومن أبي حازم الأعرج. ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي في المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة. -
[ ١ / ٧٩ ]
وروى الآجريّ [(١)] في كتاب الشريعة، عن سعيد بن أبي راشد [(٢)] قال: سالت عطاء [(٣)] رحمه الله تعالى: هل كان النبي ﷺ نبيًّا قبل أن يخلق الخلق؟ قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام.
قال الحافظ ابن رجب: عطاء هذا الظاهر انه الخراساني، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من كتابة نبوته ﷺ في أمّ الكتاب عند تقدير المقادير. ويرحم الله القائل حيث قال:
سبقت نبوّته وآدم طينة فله الفخار على جميع النّاس
سبحان من خصّ النّبيّ محمّدًا بفضائل تتلى بغير قياس!