عن عائشة [(٣)]- رضي الله تعالى عنها- إن النبي ﷺ قال لها: «ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟» فقلت: يا رسول الله ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟
فقال رسول الله ﷺ: «لولا حدثان قومك بالكفر» .
فقال عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين الشاميين اللذين يليان الحجر، إلا لأن البيت لم يتمّ على قواعد إبراهيم ﷺ.
وفي رواية قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة وأعدتها على بناء إبراهيم، فإن قريشًا اقتصرت بناءه، وجعلت له خلفًا» .
قال هشام:
يعني بابا.
_________________
(١) [(١)] الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي الأسدي المكي، من أحفاد الزبير بن العوام، أبو عبد الله: عالم بالأنساب وأخبار العرب، راوية. ولد في المدينة، وولي قضاء مكّة فتوفي فيها. له تصانيف، منها «أخبار العرب، وأيامها» و«نسب قريش وأخبارها» باسم «جمهرة نسب قريش» و«الأوس والخزرج» و«وفود النعمان على كسرى» و«أخبار ابن ميادة» و«أخبار حسان» و«أخبار عمر بن أبي ربيعة» و«أخبار جميل» و«أخبار نصيب» و«أخبار كثير» و«أخبار ابن الدمينة» وله مجموع في الأخبار ونوادر التاريخ، سماه «الموفقيات» . توفي ٢٥٦ هـ. الأعلام ٣/ ٤٢. [(٢)] عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو خبيب بمعجمة مضمومة، المكي ثم المدني، أول مولود في الإسلام وفارس قريش. له ثلاثة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد (خ) بستة، وانفرد (م) بحديثين. وعنه بنوه عبّاد وعامر، وأخوه عروة وعطاء وطاوس. شهد اليرموك وبويع بعد موت يزيد، وغلب على اليمن والحجاز والعراق وخراسان، وكان فصيحا شريفا شجاعا لسنا أطلس. قتل بمكة سنة ثلاث وسبعين، ومولده بعد الهجرة بعشرين شهرا. الخلاصة ٢/ ٥٦. [(٣)] عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ التّيميّة، أم عبد الله الفقيهة أم المؤمنين الرّبّانيّة، حبيبة النبي ﷺ لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد (خ) بأربعة وخمسين، و(م) بثمانية وستين. وعنها مسروق والأسود وابن المسيّب وعروة، والقاسم وخلق. قال ﵇ «فضل عائشة على النساء كفضل الثّريد على سائر الطعام» وقال عروة: ما رأيت أعلم بالشعر من عائشة. وقال القاسم: كانت تصوم الدهر. وقال هشام بن عروة: توفيت سنة سبع وخمسين. ودفعت بالبقيع. الخلاصة ٣/ ٣٨٧ وسيأتي لها ترجمة مفصلة.
[ ١ / ١٦٤ ]
متفق عليه [(١)] .
وفي رواية للبخاري: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت ما خرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم.
فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد- هو ابن رومان [(٢)]: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه فأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل.
قال جرير بن أبي حازم [(٣)]: فقلت له- يعني ليزيد بن رومان: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن. فدخلت مع الحجر فأشار إلى مكان وقال: هاهنا. قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها.
وفي رواية عن سعيد بن مينا [(٤)] قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي- يعني عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقها بالأرض ولجعلت لها بابين: بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة» .
ولمسلم عن عطاء بن أبي رباح- رحمه الله تعالى- قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية [(٥)] حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحرّبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: إني قد فرق لي فيها رأي أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتًا أسلم عليه الناس، وأحجارًا أسلم عليها الناس وبعث عليها رسول الله ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّده فكيف ببيت ربكم؟ وإني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع أمره على
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري ٢/ ٢٨٧ كتاب الحج (١٥٨٥)، ومسلم ٢/ ٩٦٨ كتاب الحج (٣٩٨/ ١٣٣٣) . [(٢)] يزيد بن رومان مولى آل الزبير أبو روح المدني. عن ابن الزبير وعروة. وعنه جرير بن حازم وابن إسحاق ونافع القارئ وطائفة. قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاثين ومائة. الخلاصة ٣/ ١٦٩. [(٣)] جرير بن حازم الأزدي أبو النّضر البصري أحد الأعلام. عن الحسن وابن سيرين وطاوس وابن أبي مليكة وخلق. وعنه أيّوب وابن عون وابنه وهب بن جرير وهدبة بن خالد وخلق. وثقة ابن معين إلا في قتادة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. مات سنة سبعين ومائة بعد أن اختلط، ولم يحدّث في حال اختلاطه. الخلاصة ١/ ١٦٢. [(٤)] سعيد بن مينا بكسر الميم ومد النون مولى أبي ذباب أبو الوليد المكي. عن أبي هريرة وجابر. وعنه أيوب وابن إسحاق. وثقة ابن معين، وأبو حاتم. الخلاصة ١/ ٣٩١. [(٥)] يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ولي بعهد من أبيه واستباح المدينة. فلم يمهله الله تعالى. هلك سنة أربع وستين. الخلاصة ٣/ ١٧٧.
[ ١ / ١٦٥ ]
أن ينقضوها فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيها أمر من السماء، حتى صعد رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تابعوه، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستّر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه.
قال السهيلي، رحمه الله تعالى: وطاف الناس بتلك الأستار فلم تخل من طائف حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها. انتهى.
وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي ﷺ قال: «لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما أنفق على بنيانه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، وجعلت له بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرج الناس منه»
قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع حتى أبدى أساسًا نظر الناس إليه فبنى عليه البنيان.
وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه.
فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج [(١)] إلى عبد الملك [(٢)] يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير وضع البناء على أسّ قد نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تخليط ابن الزبير في شيء أمّا ما زاده في طوله فأقرّه، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسدّ الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه.
وفي تاريخ مكة للأزرقي، أن ابن الزبير لما هدم الكعبة وسوّاها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم ﷺ فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئًا وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء آخذ بعضها في بعض مشبّكة كتشبيك الأصابع وأصاب فيه قبرا،
_________________
(١) [(١)] الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد: قائد، داهية، سفاك، خطيب. ولد ونشأ في الطائف بالحجاز وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قلده عبد الملك أمر عسكره، وأمره بقتال عبد الله بن الزبير، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرق جموعه، فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف، ثم أضاف إليها العراق والثورة قائمة فيه، فانصرف إلى بغداد في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب، فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة. وبنى مدينة واسط بين الكوفة والبصرة. توفي ٩٥ هـ. الأعلام ٢/ ١٦٨. [(٢)] عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو الوليد: من أعاظم الخلفاء ودهاتهم. نشأ في المدينة، فقيها واسع العلم، متعبدا، ناسكا. وشهد يوم الدار مع أبيه. واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن ١٦ سنة. وانتقلت إليه الخلافة بموت أبيه (سنة ٦٥ هـ) فضبط أمورها وظهر بمظهر القوة، فكان جبارا على معانديه، قويّ الهيبة. واجتمعت عليه كلمة المسلمين بعد مقتل مصعب وعبد الله ابني الزبير في حربهما مع الحجاج الثقفي. وهو أول من صك الدنانير في الإسلام، وأول من نقش بالعربية على الدراهم، وكان عمر بن الخطاب قد صك الدراهم. توفي سنة ٨٦ هـ. الأعلام ٤/ ١٦٥.
[ ١ / ١٦٦ ]
فقال: هذا قبر أم إسماعيل ﷺ، فدعا ابن الزبير خمسين رجلًا من وجوه الناس وأشرافهم فأشهدهم على ذلك، وأدخل عبد الله بن مطيع العدوي [(١)] عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فزعزعت الأركان كلها وارتجت جوانب البيت ورجفت مكة بأسرها رجفة شديدة وخافوا خوفًا شديدًا، وطارت من الحجر قطعة فأخذها بيده، فإذا فيها نور مثل نار، فطارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخله، ففزعوا، فقال ابن الزبير: اشهدوا. ثم وضع البناء على ذلك الأساس، وجعل لها بابين ملصقين بالأرض، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن، وكان وقت الهدم قد جعله ابن الزبير في ديباجة وأدخله في تابوت وأقفل عليه وأدخله دار الندوة، وعمد إلى ما كان في الكعبة من حلى وثياب وطيب فوضعه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان، فلما انتهى البناء إلى موضع الحجر أمر فنقر بين حجرين أحدهما من المدماك الذي تحته والآخر من الذي فوقه وطبّق ما بينهما.
ثم أمر ابن الزبير ابنه عبادًا وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلا الركن في ثوب وقال لهما: إذا فرغتما فكبّرا حتى أسمعكما فأخف صلاتي فلما وضعاه في موضعه كبّرا فتسامع الناس بذلك. فغضب رجال من قريش لذلك حيث لم يحضرهم ابن الزبير، وقالوا: ما رفعته قريش في الجاهلية حتى حكّموا أول من يدخل عليهم، فكان رسول الله ﷺ أول داخل.
وكان الحجر قد انصدع بسبب الحريق فشدّه ابن الزبير بالفضة. قال ابن عون [(٢)]:
فنظرت إلى جوف الحجر حين انفلق كأنه الفضة.
وكانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا في السماء، فلما بلغ البنيان هذا المبلغ قصرت لحال الزيادة في العرض من الحجر، فقال ابن الزبير: قد كانت تسعة أذرع في السماء قبل بناء قريش فزادت قريش تسعة أذرع، وأنا أزيد تسعة أذرع. فجعلها سبعة وعشرين ذراعا في السماء! وهي سبعة وعشرون مدماكًا، وعرض جدارها ذراعان. وجعل داخلها ثلاثة دعائم. وكانت قبل ذلك على ست دعائم صفّين، وأرسل إلى صنعاء فأتى برخام فجعله في الروازن لأجل الضوء، وجعل لبابها مصراعين طولهما أحد عشر ذراعًا، وجعل الباب الآخر بإزائه على هيئته وجعل لها درجًا من خشب معوجة يصعد منها إلى ظهرها. فلما فرغ من بنائها
_________________
(١) [(١)] عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي المدني، له رؤية، وكان رأس قريش يوم الحرّة، وأمره ابن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ثلاث وسبعين. التقريب ١/ ٤٥٢. [(٢)] عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم أبو عون الخرّاز بفتح المعجمة والمهملة البصري أحد الأعلام. عن عطاء ومجاهد، وسالم، والحسن، والشّعبي، وخلق. وعنه شعبة، والثوري، وابن عليّة، ويحيى القطان وخلائق. قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه. قال يحيى القطان: مات سنة إحدى وخمسين ومائة. الخلاصة ٢/ ٨٦.
[ ١ / ١٦٧ ]
خلقها من داخلها ومن خارجها بالطّيب والزعفران وكساها القباطيّ وقال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التّنعيم، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، فإن لم يقدر فشاة، ومن لم يقدر فليتصدق بما تيسّر.
وأخرج ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالبيت استلم الأركان الأربعة جميعًا.
فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير تستلم الأركان كلها، ويدخل من باب ويخرج من باب حتى قتل ابن الزبير وقتل ودخل الحجاج مكة، فكتب إلى عبد الملك بكل ما فعله ابن الزبير. فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن أهدم ما زاده فيها من الحجر وردّها على ما كانت عليه وسدّ الباب الغربي الذي فتح واترك سائرها.
فكلّ البيت اليوم على بنيان ابن الزبير، إلا الجدار الذي في الحجر وموضع سد الباب الغربي، فإنه من بنيان الحجاج، وغيّر تلك الدّرج التي في جوفها، ونقص من طول الباب خمسة أذرع.
فلما حج عبد الملك قال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي [(١)]: أنا أشهد لابن الزبير بالحديث الذي سمعه من عائشة فقد سمعته أنا أيضًا منها. قال: أنت سمعته منها؟
قال: نعم، فجعل ينكث بقضيب كان في يده في الأرض ساعة ثم قال: وددت أني كنت تركته وما تحمّل.