يمتد القرن العاشر الهجري من سنة ١٤٩٦ م إلى سنة ١٥٩١ م، وكانت الدولة العثمانية التركية أقوى دولة إسلامية فيه، وكان على رأسها في أوله السلطان بايزيد الثاني ابن السلطان محمد الفاتح، وكان ملكا محبا للسلم، فوقفت هذه الدولة في عهده عند فتوح أبيه، وقد خرج عليه ابنه سليم الأول، فانضمّ إليه جيش الانكشارية، فترك له الحكم سنة ٩١٨ هـ ١٥١٢ م، فقام السلطان سليم بعد أبيه بالحكم، وابتدأه بقتال الطامعين فيه من إخوته وأبنائهم إلى أن قضى عليهم، ثم توجه إلى قتال الشاه إسماعيل مؤسس الدول الصفوية بفارس، وكان
[ المقدمة / ٣٥ ]
شيعيّا علويا ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب، فحاربه السلطان سليم واستوى على مدينة تبريز قاعدة ملكه، وانتزع منه العراق وما إليه من البلاد، ثم توجه بعد هذا إلى قتال المماليك بمصر، فحاربهم حتى أسقط دولتهم سنة ٩٢٣ هـ ١٥١٧ م، وانتزع لنفسه الخلافة الصورية من آخر خلفاء بني العباس بمصر، وبهذا صار ملوك الدولة العثمانية التركية خلفاء المسلمين بعد أن كانوا ملوكا على دولتهم فقط، وفاتهم أن الخلافة الإسلامية لا تنعقد بهذا الشكل، وإنما تنعقد بالشورى ومبايعة المسلمين باختيارهم، ثم توفي السلطان سليم سنة ٩٢٦ هـ ١٥٢٠ م، فخلفه ابنه السلطان سليمان الأول القانوني، وفي عهده وصلت هذه الدولة إلى نهاية عظمتها، فاستولت على بلاد الصرب والمجر، ووصلت فتوحاتها إلى فينّا قاعدة النمسا، واستولت على الجزائر وغيرها من بلاد المغرب وقد انتهت باستيلائها على تلمسان دولة بني زيان سنة ٩٥٢ هـ ١٥٤٥ م، واستولت على اليمن وغيره من بلاد العرب، وكان لهذا السلطان إصلاحات دينية ومدنية عديدة، ثم توفي سنة ٩٧٤ ١٥٦٦ م، فخلفه ابنه سليم الثاني، وكان ضعيفا لا يتحلى بالصفات التي تمكنه من إدارة هذه المملكة الواسعة، ولكنه كان له وزير عظيم هو محمد باشا الصقلي، فاعتمد عليه في تدبير أمور هذه الدولة، وإليه يرجع الفضل في المحافظة عليها في عهده، وقد تم في عهده الاستيلاء على مدينة تونس من بلاد المغرب، فانتهت بهذا الدولة الحفصية سنة ٩٨١ هـ ١٥٧٣ م، وتوثقت العلاقة في عهد هذا السلطان بين فرنسا والدولة العثمانية التركية، حتى أباح لفرنسا أن ترسل بعوثا دينية إلى البلاد الإسلامية، فأرسلت إليها كثيرا من هذه البعوث، مع أنها كانت تقصد تربية الطوائف المسيحية الموجودة بين المسلمين على الإخلاص لها، وسيكون لهذا من العواقب السيئة ما سيأتي بيانه في القرون الآتية، ثم توفي هذا السلطان سنة ٩٨٢ هـ ١٥٧٤، فخلفه ابنه مراد الثالث، وابتدأ حكمه بعادتهم السيئة، فقتل إخوته لئلا ينازعوه في الملك، ثم أعلن تحريم شرب الخمر، وكان قد شاع في عهد أبيه، وأفرط فيه الانكشارية، فثاروا عليه واضطروه إلى إباحته بالمقدار الذي لا يسكر، وفي عهده كانت علاقة الدولة حسنة مع فرنسا والبندقية وانجلترا، وقد حصلت هذه الدول على كثير من الامتيازات التجارية في بلاد الدولة سبب هذه العلاقة وسيكون لهذه الامتيازات أثرها السيّئ في القرون الآتية، وقد وقعت في عهد هذا السلطان حروب كثيرة بينه وبين الدولة الصفوية، فازدادت بها العلاقة سوءا بينهما، وكانت أولى بحسن العلاقة من الدول الأوروبية السابقة، وفي عهده أعلنت الفلاخ والبغدان وترنسلفانيا العصيان على الدولة، وأمكنها بمساعدة ملك النمسا وألمانيا الاستيلاء على مدن كثيرة من هذه البلاد، وكانت وفاة هذا السلطان سنة ١٠٠٣ هـ ١٥٩٤ م.
وكان للمسلمين في هذا القرن دولتان شرقيتان غير الدولة العثمانية التركية: أولاهما:
[ المقدمة / ٣٦ ]
الدولة الصفوية ببلاد فارس، وقد أنشأها الشاه إسماعيل ابن الشيخ صفي الدين العلوي الحسني سنة ٩٠٦ هـ ١٥٠٠ م، واتخذ مدينة تبريز قاعدة له، وقد اتسعت بعد هذا حتى شملت جميع بلاد فارس والعراق العربي وديار بكر، وامتدت من الخليج الفارسي إلى بحر الخزر، وكانت العلاقة سيئة بينها وبين الدولة العثمانية التركية طول هذا القرن، ومن أهم أسباب هذا العداء أن الدولة الصفوية كانت شيعية، والدولة العثمانية التركية كانت سنية.
والثانية: الدولة المغولية ببلاد الهند، وقد أنشأها بابرشاه من نسل تيمور لنك سنة ٩١١ هـ ١٥٠٥ م، وكانت وفاته سنة ٩٣٧ هـ ١٥٣٠ م، فخلفه ابنه همايون، وقد استمر حكمه إلى سنة ٩٦٤ هـ ١٥٥٦ م، فخلفه ابنه أكبر خان إلى سنة ١٠١٤ هـ ١٦٠٥ م، وكان لأكبرخان أفكار جريئة في التجديد خرج في بعضها عن دائرة التجديد الإسلامي، وسنذكرها في موضعها من هذا القرن.
أما المغرب فقد ظهر ضعفه في هذا القرن، وكادت بلاده تسقط في يد الأسبانيين والبرتغاليين، وقد ذهبت فيه دولة بني حفص ودولة بني زيان باستيلاء الدولة العثمانية التركية على تونس والجزائر، وسقطت فيه بمراكش دولة بني وطاس سنة ٩٥٦ هـ ١٥٤٩ م، وقامت دولة السعديين الحسنية العلوية مكانها، ولكنها لم تكن من القوة بحيث يمكنها دفع عدوان أوروبا على المسلمين من هذه الناحية، وقد خرج على سلطانها بعض أهلها، واستعانوا عليه بالبرتغاليين، فلم يقو وحده على حربهم، واستنجد بالدولة العثمانية التركية، فأمرت واليها بطرابلس أن يرسل إليه مددا من جنوده، فأرسل إليه مددا منها، وكان هذا سنة ٩٨٦ هـ ١٥٧٨ م، فتمكن بهذا المدد من الانتصار على الثائرين ومن ساعدهم من البرتغاليين. وقد رجع هذا المدد إلى طرابلس بعد انتصاره عليهم، وترك مراكش وحدها تعاني ما تعاني من طمع أوروبا فيها.
وبهذا يمكننا أن نحكم بأن المسلمين في هذا القرن كانوا على شيءٍ من القوة، إذ كانت الدولة العثمانية التركية فيه لا تزال مرهوبة الجانب عند أمم أوروبا، ولكن الحالة العلمية بين المسلمين في هذا القرن لم تكن مضاهية لقوتهم، فقد فشا الجهل فيهم إلى الحد الذي سيأتي في شكاية بعضهم، وكانوا في القرون السابقة يعادون العلوم الفلسفية وحدها، فأضافوا إليها في هذا القرن معاداة العلوم الأدبية، لأن العامية أخذت تطغى عليهم بعد استيلاء الدولة العثمانية التركية على معظم البلاد العربية، وجعلها اللغة التركية هي اللغة الديوانية، وممن شكا من معاداة العلوم الأدبية في هذا القرن صاحب كتاب- العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم- وكان معاصرا للسلطان سليمان القانوني، فقال مشيرا إلى موضوع كتابه في التاريخ: ولعمري إن ذلك
[ المقدمة / ٣٧ ]
يعد عند الأكثرين من تضييع الأوقات، لأن المعارف عندهم خرافات، فإنا قد انتهينا إلى زمان يرون الأدب عيبا، ويعدّون التضلع من الفنون ذنبا، وإلى الله الحنّان المشتكي من هذا الزمان، قد سلّ سيف بغيه وعدوانه، على من تحلى بالفضائل وتقدم على أقرانه، وأوفق نبله لكل ذي نبل ظاهر وشرف باهر، فالتبس الدر بالزجاج، واشتبه العذب بالأجاج، وضاع أرباب الألباب كالذباب في الضباب، فصارت المعارف طيف خيال، أو ضيفا على شرف ارتحال، وضعف أساس العلم وبنيانه، وتضعضعت أركانه، وخمدت ناره، وكادت أن تمحى آثاره:
وكان سرير العلم صريحا ممردا يناغي القباب السبع وهي عظام
متينا رفيعا لا يطار غرابه عزيزا منيعا لا يكاد يرام
يلوح سنا برق الهدى من بروجه كبرق بدا بين السحاب يشام
فجرّت عليها الرامسات ذيولها فخرت عروش منه ثم دعام
محا الذاريات اليوم آيات حسنه فلم يبق منه آية ووسام
وممن شكا حال العلوم الفلسفية في هذا القرن الحكيم داود الأنطاكي صاحب التذكرة في الطب، وكان قد نزل بمصر فقال فيها: ثم لم ألبث أن هبطت مصر هبوط آدم من الجنة، لما وجدتها كما قال أبو الطيب ملاعب جنة، فكأنها مغاني الشّعب، وأنا المعنيّ فيها بقوله:
ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان
تنبو عن قبول الحكمة فيها طباع الرجال، نبوّ قيناتهم الحسان لحى شيب القذال، ثم تمثل:
ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود
أنا في أمة تداركها اللّ هـ غريب كصالح في ثمود
وقد طعن أهل مصر في عقيدته لاشتغاله بعلوم الفلسفة، فلما كثر كلام الناس في اعتقاده ارتحل منها إلى مكة.
وبهذا ازداد العلم هوانا في هذا القرن أمام جهلة المتصوفة.