يقول الدكتور طه حسين في بحث نشره في كتاب (الإسلام والغرب) الصادر عام ١٩٤٦ في باريس: لقد حاولت أن أقص بعض الأساطير المتصلة بالفترة التي سبقت ظهور النبي ﷺ ثم قصصت مولده وطفولته. ونشرت هذه السلسلة بعنوان مقتبس من جيل لوميتر وهو (على هامش السيرة) . ويتحتم أن نعترف بأن كتابين فرنسيين كانا بمثابة الشرارتين اللتين أشعلت موقدين كبيرين: أحد الكتابين لجيل لوميتر عنوانه (على هامش الكتب القديمة) والثاني: (حياة محمد لاميل درمنجم) .
أما كتاب جيل لوميتر فإني بعد أن شغفت به كثيرا وضعت في نفسي الأسئلة الآتية:
هل يمكن إعادة كتابة مآثر الفترة البطولية في تاريخ الإسلام في أسلوب جديد أم أنه يتعذر ذلك؟ وهل تصلح اللغة العربية لإحياء هذه المآثر؟
وقال عن كتاب (على هامش السيرة):
هذا الكتاب من عمل المخيلة. اعتمدت فيه على جوهر بعض الأساطير ثم أعطيت
[ المقدمة / ٢٦ ]
نفسي حرية كبيرة في أن أشرح الأحداث وأخترع الإطار الذي يتحدث عن قرب إلى العقول الحديثة مع الاحتفاظ بالطابع القديم.
وكان الدكتور طه يتحدث بهذا إلى المستشرقين في أول مؤتمر للحوار بين المسيحية والإسلام ويعد كتابه هذا خطوة في هذا السبيل من حيث دمج الأديان كلها في كتاب واحد وفي اختراع أخطر بدعة من إحياء الأساطير في الأدب العربي. هذا ما كشف عنه طه حسين بعد سنوات طويلة من ظهور (على هامش السيرة) فماذا كان موقف الباحثين منه؟ يقول صديقه وزميل دربه الدكتور محمد حسين هيكل:
أستميح طه العذر إن خالفته في اتخاذ النبي ﷺ وعصره مادة لأدب الأسطورة. وأشار إلى ما يتصل بسيرة ﷺ ساعة مولده وما روي عما حدث له من إسرائيليات روجت بعد النبي ثم قال:
ولهذا وما إليه يجب في رأيي ألا تتخذ حياة النبي ﷺ مادة الأدب الأسطوري، وإنما يتخذ من التاريخ وأقاصيصه مادة لهذا الأدب، وما اندثر أو ما هو في حكم المندثر، وما لا يترك صدقة أو كذبة في حياة النفوس والعقائد أثرا ما والنبي ﷺ وسيرته وعصره يتصل بحياة ملايين المسلمين جميعا بل هي فلذة من هذه الحيا. ومن أعز فلذاتها عليها وأكبرها أثرا. وأعلم أن هذه (الإسرائيليات) قد أريد بها إقامة ميثولوجية إسلامية لإفساد العقول والقلوب من سواد الشعب. ولتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه ﷺ فقد كانت هذه غاية الأساطير الذي وضعت عن الأديان الأخرى. من أجل ذلك ارتفعت صيحة المصلحين الدينيين في جميع العصور لتطهير العقائد من هذه الأوهام.
ولا ريب أن كلام الدكتور محمد حسين هيكل هذا هو اتهام صريح لطه حسين في اتجاهه وتحميله مسؤولية من أخطر المسؤوليات، وهي:
إعادة إضافة الأساطير التي حرر المفكرون المسلمون سيرة النبي ﷺ منها طوال العصور. وإعادتها مرة أخرى لخلق جو معين يؤدي إلى إفساد العقول في سواد الشعب وتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه ﷺ.
وهذا الذي كشفه هيكل ما زال كثيرون يجهلونه، وما زال المتابعون لحياة الدكتور طه حسين وتحولاته يرون أن هذا أخطر تحول له وأن هذا التحول جاء ليخدع الناس عن ماضيه وسابقته في إذاعة مذهب الشك وطارت الدعوات تقول: إن طه حسين عاد إلى الإسلام وإنه يكتب حياة الرسول، ولم يكن هذا صحيحا على الإطلاق ولكنه كان تحولا خطيرا وفق أسلوب جديد لضرب الإسلام في أعز فلذات حياته وهي سيرة الرسول الأمين ﷺ ولقد دمغه
[ المقدمة / ٢٧ ]
هيكل حين قال: لقد تحول طه الرجل الذي لا يخضع لغير محكمة النقد والعقل إلى رجل كلف بالأساطير يعمل على إحيائها وإن هذا ليثير كثيرا من التساؤل، إذ إن طه وقد فشل في تثبيت أغراضه عن طريق العقل والبحث العلمي لجأ إلى الأساطير ينمقها ويقدمها للشعب إظهارا لما فيها من أوهام في ظاهرها تفتن الناس.
وقد كان هذا مصدرا لما أورده الأستاذ محمد النائف في كتابه دراسات عن السيرة حيث قال: أن (على هامش السيرة) هو في حقيقته على هامش الشعر الجاهلي ومتمم له. فهو على طريق تطاوله على الإسلام ولكن مع المرواغة والمداهنة.
ومن أبرز ما يلاحظ أنه خلط تاريخ الإسلام بأساطير المسيحية واليهودية وقساوسة مصر والشام وخيبر ونصارى اليمن، كما عنى عناية كبيرة بأساطير اليونان والرومان، وخلط هذا كله خلطا شديدا مع سيرة النبي وأراد بذلك إثارة جو من الاضطراب بين الإسلام المتميز بذاتيته الخاصة وبين ما كان قبل الإسلام من أساطير وخرافات وقد اهتم بتراث اليهود فقدم لهم قصة (مخيرق) اليهودي
وقد أخذ في كتابه بالأحاديث الموضوعة وفي نفس الوقت رد أحاديث صحيحة لأنها خالفت هواه، وعوّل كثيرا على الإسرائيليات التي جاءت في تاريخ الطبري وأكثر من إيرادها وحشد قدرا كبيرا من الأساطير في قصة (حفر زمزم) على يد عبد المطلب، وبالغ في قصة ولادة الرسول ﷺ مع أنه لم يثبت منها إلّا حديث واحد وأخذ بالأخبار الموضوعة في قصة (زينب بنت جحش) وجسم بعض المعجزات التي حدثت للرسول ﷺ عند مرضعته حليمة السعدية وأثناء سفر النبي في تجارة خديجة ﵂. وقد خص الشياطين باهتمام بالغ فتوسع في الحديث عنهم وصور مؤتمرا يتصدره إبليس للشياطين ورسم صورة للشيطان الذي حضر خلاف قريش على الحجر الأسود وكان على شكل شيخ نجدي.
وعلى ندرة الصفحات التي خصصها لسيرة الرسول ﷺ- جاءت هذه الصفحات- مملوءة بالمغالطات والذي سلم من التحريف كان للمتعة والتسلية. ومن أخطر مزاعمه أن النبي قد أحبّ زينب وهي زوجة لزيد وهذا بهتان عظيم.
وإذا كان طه حسين قد أشار في المقدمة إلى أنه اهتم باختراع الأحاديث فإنّ الحرية التي أباحها لنفسه لم تكن إلا لهوى معين وهدف واضح هو أن يقدم عن طريق القصص من السموم ما عجز عنه عن طريق النقد والكتابة الأدبية.
يقول (غازي التوبة) في دراسته عن طه حسين وهامش السيرة:
إنّ طه حسين ينصب نفسه إماما للأساطير اليونانية ويضع السيرة في مصاف الإلياذة
[ المقدمة / ٢٨ ]
ويطلب من المؤلفين والكتاب أن يفتنوا في الحديث عنها افتنان أوروبا بأساطير اليونان كي يرضوا ميول الناس إلى السذاجة ويمتعوا عواطفهم وأخيلتهم. ولكن هل يتساوى الأثران في المجتمعين (الإلياذة في المجتمع اليوناني والسيرة في المجتمع الإسلامي؟ وهل كانت السيرة يوما في التاريخ موضوعا لتسلية قصصية أو مباراة لفظية؟) .
ولم تكن السيرة يوما من الأيام وسيلة للتسلية والترفيه كما يهدف طه حسين ولكنها كانت مصدرا لابتعاث الهمم ودفع النفوس المؤمنة إلى النهوض بالمجتمعات في ضوء حياة النبي وسننه.
ولقد تحدث كثيرون عن الشبهات الواردة في (على هامش السيرة) ووصفها الأستاذ مصطفى صادق الرافعي بأنها «تهكم صريح» وقالت صحيفة الشهاب الجزائرية (ذو القعدة ١٣٥٢) الموافق ١٩٣٤ تحت عنوان: دسائس طه حسين: ألف كتابا أسماه على هامش السيرة (يعني السيرة النبوية الطاهرة) فملأه من الأساطير اليونانية الوثنية وكتب ما كتب في السيرة الكريمة على منوالها فأظهرها بمظهر الخرافات الباطلة وأساطير الخيال حتى يخيل للقارئ أنّ سيرة النبي ﷺ ما هي إلّا أسطورة من الأساطير وفي هذا من الدس والبهت ما فيه. والدكتور طه الذي كان يقول في الإسلام ما شاء ولا يبالي بالمسلمين أصبح اليوم يحسب للمسلمين حسابا فلا يكتب إلا ويقول: إنه مسلم وإنه يعظم الإسلام ولكن ما انطوى عليه صدره يأبى إلا الظهور كما بدا جليا في كتابه هذا (على هامش السيرة) .
وقال الدكتور زكي مبارك (البلاغ- يناير ١٩٣٤): وأنا أوصي قرائي أن يقرأوا هذا الكتاب (على هامش السيرة) بروية فإن فيه نواحي مستورة من حرية العقل عرف الدكتور كيف يكتمها على الناس بعد أن راضته الأيام على إيثار الرمز على التأليف (بعد ضربة الشعر الجاهلي) آثر أسلوب الرمز لتغطية أهدافه.
وقال الدكتور هيكل في دراسة لهامش السيرة الجزء الثاني (ملحق السياسة ٢٥/ ١٢/ ٣٧): إن اليهود لهم باع طويل في دس الإسرائيليات في الإسلام.
والحق أنني كنت أشعر أثناء قراءتي هذا الجزء الثاني من هامش السيرة وكأنما أقرأ في كتاب من كتب الأساطير اليونانية وليس فصل (نادي الشياطين) بأشد إمعانا في أدب الأسطورة من سائر فصول الكتاب وقد عرف تبعية الدكتور طه حسين لمفهوم الإسرائيليات ووجهة نظر اليهود في قضايا كثيرة مثل موقفه من عبد الله بن سبأ في كتاب الفتنة الكبرى.