لما كان الاعتكاف سبب جمعية الخاطر والانقطاع عن الغير إلى الحق، والإقبال على العبادات، وموجب البعد عن الخلق، وواسطة لزوال التفرقة، والهموم المغايرة، وهذه القاصدة في حالة الصيام أكمل وأفضل.
لا جرم أنه - ﷺ - بين للأنام، تشريع الاعتكاف، في أفضل أيام الصيام، وهي العشر الأواخر، من شهر رمضان، ولم يرد أنه اعتكف بغير صيام أبدا،
_________________
(١) أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة، وهذا لفظه، وأورده الأمير الصنعاني في سبل السلام (ج ٢ ص ٣٥٠).
(٢) أخرجه الشيخان بلفظ: "لا صام من صام الأبد" انظر صحيح البخاري في كتاب الصوم باب حق الأهل في الصوم حديث رقم (١٩٧٧ ج ٤ ص ٢٢١)، ومسلم في كتاب الصيام باب النهي عن صوم الدهر حديث رقم (١١٥٩) حديث الباب (١٨٦ ج ٢ ص ٨١٤، ٨١٥).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب صوم يوم الجمعة حديث رقم (١٩٨٥ ج ٤ ص ٢٣٢)، ومسلم في كتاب الصوم باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردا حديث رقم (١١٤٤ ج ٢ ص ٨٠١)، وأبو داود في كتاب الصوم باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم حديث رقم (٢٤٢٠ ج ٢ ص ٣٢٠)، والترمذي برقم (٧٤٣ ج ٣ ص ٣٢٠).
[ ١٣٤ ]
وكانت عائشة - ﵂ - تقول: لا اعتكاف إلا بصوم، واعتكف في جميع الرمضانات في العشر الأواخر (١)، ولم يفته إلا رمضان واحد قضى اعتكافه في شوال، واعتكف مرة في العشر الأول، ومرة في العشر الأوسط، ومرة في العشر الأخير.
ولما علم أن ليلة القدر في ذا العشر، واظب اعتكافه، إلى آخر الحال، وكان إِذا قصد الاعتكاف، صلى الصبح ودخل معتكفه، وهو خيمة كانت تنصب له في المسجد ليختلى فيها، وكان لا يأتى إلا لقضاء الحاجة (٢). وكان في بعض الأحيان يخرج رأسه من المسجد إلى حجرة عائشة - ﵂ - لترجل له رأسه (٣) وتغسله.
ومن أراد من أمهات المؤمنين زيارته - ﷺ - في حال الاعتكاف جاءت إليه وعند قيامها للرجوع كان يقوم معها، ويعانقها ويقبلها. وهذا المجموع كان في الليل، وكان لا يباشر في مدة الاعتكاف، وكان إذا أراد الاعتكاف يوضع له سرير في معتكفه. ويفرش له عليه.
وكان إذا دخل منزله لقضاء الحاجة، لا يشتغل بأحد، وكان يمر في بعض الأحيان على المريض من أهل بيته، فلا يقف عنده ولا يسأل عن حاله، وكان يعتكف في كل عام عشر أيام، وفي العام الأخير اعتكف عشرين يوما (٤). وكان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفي العام الأخير عرضه مرتين. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف في العشر الأواخر حديث رقم (٢٠٢٦ - ج ٤ ص ٢٧١)، ومسلم في كتاب الاعتكاف باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان حديث رقم (١١٧٢) حديث الباب رقم (٥ - ج ٢ ص ٨٣١)، وأبو داود برقم (٢٤٦٢ - ج ٢ ص ٣٣١)، والترمذي (٣/ ١٥٧)، والنسائي (٢٦ ص ٤٤).
(٢) متفق عليه انظر صحيح البخاري (ص ٢٧٣ حديث رقم (٢٠٢٩)، ومسلم (ج ١ ص ٢٤٤) برقم (٧٩٧).
(٣) متفق عليه انظر نفس المصدرين السابقين.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (ج ٤ ص ٢٤٥).
[ ١٣٥ ]