أما في الحضر فكان لا يفوته عشر ركعات: ركعتان قبل فرض الصبح، وركعتان قبل فرض الظهر، وركعتان بعد ذلك، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء ولم تفته ركعتا الظهر (١) في وقت من الأوقات وإن فاتتا قضاهيا بعد صلاة العصر.
وكان يداوم على صلاة ركعتين بعد العصر، وهذا هن خصائصه ﷺ، ويكره في حق غيره، وأحيانا كان يصلى قبل الظهر أربع ركعات، ولفظ البخاري "كان لايدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة" وللعلماء في هذا تأويلان:
أحدهما: أنه كان إذا صلى سنة الظهر في بيته صلاها أربعا وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين.
والثاني: إن هذه صلاة مستقلة، كان يصليها عقيب زوال الشمس، ويقول: "هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح" وكان عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يصلى بعد الزوال ثمانى ركعات، ويقول: انهن تعدلن مثلهن من قيام الليل.
وقال بعض المشايخ: السر في هذا أن هذين الوقتين زمان تنزل الرحمة بعد الزوال وذلك بعد انتصاف النهار، والتنزل الإلهى في الليل يكون بعد انتصافه، ولا كان هذان الوقتان محل قرب الرحمة، ظهرت المناسبة.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التهجد باب (٢٩) التطوع بعد المكتوبة حديث رقم (١١٧٢ - ج ٣ ص ٥٠) ومسلم في صلالة المسافرين باب فضل السنن الرتبة حديث رقم (٧٢٩ - ج ١ ص ٥٠٤)، وأبو داود في كتاب الصلاة باب تقريع أبواب التطلوع، وركعات السنة حديث رقم (١٢٥٢ - ج ٢ ص ١٩)، والترمذي في أبواب الصلاة باب باب ما جاء أنه يصليهما في بيته رقم (٤٣٣ - ٤٣٤ - ج ٢ ص ٢٩٨)، والنسائي (ج ٢ ص ١١٩).
[ ٥٥ ]
وروى في مسند الإِمام أحمد، وسنن النسائي، والترمذي "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" وكان يفصل بين هذه الأربع بتسليمتين.
وقال أمير المؤمنين على كان النبي ﷺ يصلى قبل الظهر أربع (١) ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. رواه أحمد والترمذي محسنا.
وروى أمير المؤمنين علي: أن النبي ﷺ كان يصلي في كل يوم وليلة من السنة ست عشرة ركعة، ركعتين قبل فرض الصبح، وأربعا قبل فرض الظهر، وركعتين بعدها، وأربعا قبل فرض العصر، وأربعا في وقت الضحى. وهذا بعض حديث مطول، وللعلماء في إسناده مقال.
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعًا" (٢) صححه ابن حبان، وكان الصحابة يصلون قبل المغرب ركعتين، ولم يمنعهم - ﷺ - من ذلك، وثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب" وقال في الثالثة: "لمن شاء" (٣) كراهية أن يتخذها الناس سنة فصلاتها مندوبة مستحبة، لكن لا تبلغ درجة الرواتب.
_________________
(١) رواه البخاري في كباب التهجد باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى حديث رقم (١٩٦٥ - ج ٣ ص ٤٨). ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضل السنن الراتبة وبيان عددهن حديث رقم (٧٢٩ - ج ١ ص ٥٠٤)، والترمذي (ج ٣ ص ٢٩٠).
(٢) رواه أحمد وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة قبل العصر حديث رقم (١٢٧١ - ج ٢ ص ٢٣)، والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في الأربع قبل العصر حديث رقم (٤٣٠ - ج ٢ ص ٢٩٥، ٢٩٦) وحسنه الترمذي، ورواه ابن خزيمة وصححه، وكذا ابن حبان وفي إسناده محمد بن مهران، وفيه مقال .. لكن وثقه ابن حبان وابن عدي. كما في تلخيص الحبير (٢/ ١٢).
(٣) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب الصلاة قبل المغرب. حديث رقم (١١٨٣ - ج ٣ ص ٢٦)، ورواه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن في كتاب النوافل باب الصلاة قبل المغرب حديث رقم (ممم كلام ممسوح في المصور ممم ١٦٢، ١٦٣).
[ ٥٦ ]
وكان يصلي الرواتب في بيته، وعلى الخصوص ركعتى المغرب، فإنه لم يصلهما في المسجد أبدا. فلذلك اختلف العلماء: أنه لو صلاهما في المسجد هل يجزيه ذلك أم لا.
قال بعض العلماء: لا، وقال الإِمام المروزى: من صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا، وقال أبو ثور أيضًا: هو عاص، وسبب العصيان أن النبي - ﷺ - قال: "اجعلوها في بيوتكم" وعند أكثر العلماء يجزيه ذلك لكن يكون تاركا للأولى. وفي سنة المغرب سنتان:
إحداهما: بأن لا يتكلم بينها وبين الفريضة، لا في الحديث: "من صلى ركعتين بعد المغرب" قال مكحول: يعني قبل أن يتكلم" رفعت صلاته في عليين" (١).
الثانية: أن يكون في البيت، دخل رسول الله - ﷺ - مسجد بني الأشهل وصلى المغرب فلما فرغ رأى أهل المسجد، اشتغلوا بصلاة السنة (٢) فقال: "هذه صلاة البيوت".
وفي لفظ ابن ماجه: "اركعوا هاتين في بيوتكم" وحاصله أن عادة حضرة سيدنا رسول الله - ﷺ -، أنه كان يصلى جميع السنن في بيته إلا أن يكون لسبب، وكان يقول: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة".
وكان يحافظ على ركعتى الفجر، بحيث أنه كان يواظب عليها في السفر أيضًا، ولم يرد عنه أنه صلى في السفر شيئًا من السنن الرواتب إلا سنة الفجر (٣)، وصلاة الوتر.
_________________
(١) لم نجده بهذا اللفظ لكن ورد نحوه في الصحيحين انظر صحيح البخاري (ج ٣ ص ٤١)، ومسلم برقم (٧٢٩)، وموطأ مالك (ج ١ ص ١٦٦)، وأبي داود برقم (١٢٥٢)، والنسائي (ج ٢ ص ١١٩) والترمذي (٤٣٣).
(٢) انظر صحيح البخاري (ج ٣ ص ٤٩)، وأبي داود برقم (١٢٨١).
(٣) رواه البخاري بمثله (ج ٣ ص ٤٨)، وابو داود برقم (١٢٥٣)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٥١).
[ ٥٧ ]
وللعلماء في أفضلية سنة الفجر، وصلاة الوتر قولان: قال بعضهم: سنة الفجر أكد. قال بعضهم: بل الوتر، وكما أن الوتر واجب عن البعض كذا سنة الفجر، تجب عند البعض.
وقال بعض المشايخ: سنة الفجر ابتداء العمل، والوتر ختم العمل، فهلا جرم صرفت العناية لشأنهما، ولهذا السبب شرع فيها قراءة سورة الإخلاص، وسورة قل يا أيها الكافرون (١)، لاشتمالهما على توحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، كما بيناه في كتاب: (حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص).