اختلف العلماء في قيام الليل هل كان فرضا على سيدنا رسول الله - ﷺ - أو سنة؟ ولكليهما دليل واحد وهو آية التنزيل ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (١) قالت طائفة: هذا صريح في عدم الوجوب، وقال آخرون: هذا صريح في وجوب قيام الليل والتهجد كما جاء الأمر به في مكان آخر وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) ولم يرد صريح نسخ.
وأما قوله: ﴿نافلة﴾ فلو كان المراد به التطوع لما خصص بقوله ﴿لك﴾ بل المراد الزيادة، ومطلق الزيادة لا تدل على التطوع، بل تدل على زيادة الدرجات، ولهذا خص به، لأن قيام الليل في حق غيره مباح ومكفر
_________________
(١) سورة الإسراء آية ٩٧.
(٢) سورة المزمل آية ١.
[ ٥٩ ]
للسيئات، وأما في حقه فزيادة في الدرجات وعلو المراتب، لأنه الغفور له على الإطلاق. قال مجاهد: لم يكن لغيره نوافل بل مكفرات، والنوافل خاصة به - ﷺ -، ولم يدع - ﷺ - قيام الليل (١)، في حالة من الحالات، بل حافظ عليه في السفر والحضر، وإن فاته في حين المرض أو غلبة نوم، صلى في أثناء النهار اثنى عشرة ركعة بدل ذلك، ولم يزد في صلاة الليل على ثلاث عشرة ركعة.
وربما اقتصر على إحدى عشرة ركعة منها خمس ركعات بتسليمة واحدة هن آخر الصلاة، وقال بعض العلماء: لم يزد في صلاة الليل على إحدى عشرة ركعة.
والرواية التي وردت بثلاث عشرة صحيحة لكن مع ركعتى الفجر، وحديث عائشة بين ذلك قالت: (كان رسول الله - ﷺ - يصلى ثلاث عشرة ركعة بركعتى الفجر) (٢). وقال الشعبيّ ﵀: سألت ابن عباس، وابن عمر، عن صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل، فقالا: ثلاث عشرة منها ثمان ويوتر بثلاث وركعتين بعد الفجر.
وجاء في الصحيحين: رواية صريحة، بأن صلاة الليل، ثلاث عشرة ركعة: عن ابن عباس أنه بات في بيت خالته ميمونة، فقام النبي - ﷺ - من
_________________
(١) انظر البخاري (ج ٨ ص ٤٤٩)، ومسلم برقم (٢٨٢٠)، ٢٨١٩)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٠٥ - ٢٠٦)، وموطأ الإِمام مالك (ج ١ ص ١٧٦) وأبى داود برقم (١٣٠٦).
(٢) متفق عليه رواه البخاري في كتاب التهجد باب (١٦) قيام النبي - ﷺ - في رمضان وغيره حديث رقم (١١٤٧) فتح البارى (ج ٣ ص ٣٣)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين باب صلاة النبي - ﷺ - في الوتر حديث رقم (٧٣٨ - ج ١ ص ٥٠٩)، وأبو داود في كتاب الصلاة باب صلاة الليل حديث رقم (١٣٤١ - ج ٢ ص ٤٠)، والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في وصف صلاة النبي - ﷺ - باب (٢) صهلاة النبي - ﷺ - في الوتر حديث رقم (٩ - ج ١ ص ١٢٠)، والنسائي (ج ١ صـ ٢١٠) في كتاب قيام الليل، باب وقت الوتر.
[ ٦٠ ]
الليل، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.
وفي لفظ أخرة صلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام، حتى نفخ، فلما تبين له الفجر، صلى ركعتين خفيفتين (١).
واتفق العلماء على إحدى عشرة ركعة، واختلفوا في ركعتين، فعند البعض هما غير ركعتى الفجر، وعند البعض هما هما. وإذا ضممت هذا العدد إلى عدد ركعات الفرائض، والرواتب، التي كان يواظب عليها، ويحافظ عليها، تجدها أربعين ركعة.
الفرض من ذلك سبعة عشر، والرواتب عشر، أو اثنا عشر، وقيام الليل إحدى عشرة، أو اثنتا عشرة، أو ثلاث عشرة، فصار المجموع أربعين ركعة.
وما زاد على هذا العدد فلسبب، كصلاة الفتح، وهي ثمان ركعات، صلاها يوم فتح مكة، وكصلاة الضحى، فإنه كان يصليها إذا قدم من السفر، وكتحية المسجد، وكالصلاة التي كان يصليها في بيت من يقصد زيارته، وما أشبه ذلك.
فينبغي لطالب متابعته - ﷺ - أن لايدع هذه الأربعين ركعة باختياره في وقت من الأوقات، وأن يواظب عليها في جميع الحالات، لأن الواظبة عليها، سبب فتح أبواب السعادات. وقيل المرادات، فجدير: بمن قرع باب أكرم الأكرمين، في كل يوم أربعين مرة، بأصبع الطلب؛ والأدب، باتباع أشرف العجم والعرب، أن يفتح له في أسرع الأوقات، وأقرب الحالات.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٣ ص ٢٧)، ومسلم برقم (٧٣٩).
[ ٦١ ]