من جملة منن الحق تعالى ونعمه على الأمة المحمدية، أن النبي - ﷺ - كان يسهو في الصلاة أحيانا، لتقتدى الأمة به في التشريع، وإذ ذلك كان يقول: "إنما أنا بشر أنسي كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" (١) وقال: "إنما أنسي - أو أنسي - يعني لأسن ما شرع في حيز ذلك" ثبت في الصحيحين أنه كان في صلاة الظهر ولم يشرع في التشهد بل قام إلى الثالثة، فسبحت الصحابة رضي الله تعالي عنهم، فأشار إليهم بيده أن قوموا، ولما فرغ من التشهد الثاني، أتى بسجدتين، ثم سلم بعد ذلك فعلم من هذا: أن من نسى شيئا من الصلاة غير ركن يسجد للسهو سجدتين، وإذا شرع في ركن لا يرجع إلى ما كان نسيه (٢).
ونوبة أخرى في صلاة العصر أو الظهر سلم في الركعة الثانية، وتكلم، ثم ذكر فأتم وأتي بسجدتين بعد السلام وكبر بينهما وسلم (٣) بعد ذلك أيضا.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب السهو، باب صلي خمسًا حديث رقم (١٢٢٦) فتح الباري (ج ٣ ص ٩٣ - ٩٤)، ومسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له حديث رقم (٥٧٢ - ج ١ ص ٤٠٠ - ٤٠١ - ٤٠٢ - ٤٠٣)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب إذا صلي خمسًا حديث رقم (١٠١٩، ١٠٢٠، ١٠٢١ - ج ١ ص ٢٦٨، ٢٦٩)، والترمذي رقم (٣٩٢، ٣٩٣ - ج ٢ ص ٢٣٨، ٢٣٩)، والنسائي (ج ٣ ص ٣١ - ٣٣) في كتاب السهو، باب ما يفعل من صلي خمسًا.
(٢) رواه أبو داود بنحوه في كتاب الصلاة، باب من قال بعد التسليم حديث رقم (١٠٣٣ - ج ١ ص ٢٧١). والنسائي (ج ٣ ص ٣٠) في السهو باب التحرى، وأحمد في المسند رقم (١٧٤٧ - ١٧٥٢ - ١٧٥٣ - ١٧٦١).
(٣) انظر مسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له حديث الباب رقم (٩٥).
[ ٤٦ ]
وفي مسند الإمام أحمد: أنه صلي في بعض الأيام، وخرج من الصلاة، وبقي منها ركعة، فلما خرج من المسجد، خرج طلحة بن عبد الله في عقبه، وقال: قد نسيت ركعة، فرجع إلى المسجد، وأمر بلالًا بالإقامة، وصلى ركعة، وسلم ثم رجع.
ونوبة أخرى صلى الظهر خمسًا، فقالت الصحابة: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ " فقالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتي السهو وسلم، واقتصر على ذلك.
ونوبة أخرى صلى العصر ثلاثًا ورجع إلى البيت، فتعقبه الصحابة وأعلموه، فرجع إلى المسجد وصلي ركعة وسلم، وسجد بعد السلام للسهو سجدتين (١) ثم سلم، واقتصر علي ذلك.
هذه خمسة مواضع روى أنه - ﷺ - سها فيها في جميع عمره، ولم يثبت غير هذا.
وسجد للسهو قبل السلام في بعض المواضع وبعده في بعضها، فجعلها الإمام الشافعي في كل حال قبل السلام والإمام أبو حنيفة جعلها بعد السلام في كل حال. وقال الإمام مالك: يسجد للسهو النقصان قبل السلام ولسهو الزيادة في الصلاة بعد السلام، وإن اجتمع سهوان أحدهما زائد والآخر ناقص يسجد لهما قبل السلام.
وقال الإمام أحمد: يسجد قبل السلام في المحل الذي سجد فيه النبي - ﷺ - قبل السلام وما عداه يسجد للسهو بعد السلام.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري في كتاب السهو، باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة حديث رقم (١٢٢٤ - ج ٣ ص ٩٢)، ومسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، حديث رقم (٥٧٠ - ج ١ ص ٣٩٩)، وأبي داود في كتاب الصلاة (ج ١ ص ٢٧١ - ٢٧٢)، والترمذي في أبواب الصلاة (ج ٢ ص ٢٣٥ - ٢٣٦)، والنسائي (ج ٣ ص ١٩ - ٢٠)، وموطأ الإمام مالك (ج ١ ص ٩٦ - ٩٧).
[ ٤٧ ]
وقال داود الظاهري: لا يسجد للسهو إلا في هذه المواطن الخمس التي سجد فيها رسول الله - ﷺ -، ولو سها في غيرها لا يسجد للسهو، ولم يعرض له - ﷺ - الشك في الصلاة ولكن قال: "من شك فليبن علي اليقين، ولا يعتبر الشك ويسجد للسهو قبل السلام" (١).
وقال الإمام أبو حنيفة إن كان له ظن بنى على غالب ظنه، وإن لم يكن له ظن بني علي اليقين، وقال الإمام الشافعي، والإمام أحمد: يبني علي اليقين مطلقا.