كان - ﷺ - إذا فرغ من السجدة الأولى رفع رأسه وجلس بين السجدتين، مقدار سجوده ثم قال: "رب اغفر لي رب اغفر لي اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" (٢) وأحيانًا كان يطول هذه الجلسة، حتى يظن أنه نسى ولم يكن يقوم بعد السجدة الثانية، ما لم يجلس على الأرض.
والفقهاء يسمون هذه جلسة الاستراحة وحملها بعضهم على السنة، وبعضهم على الحاجة، فلا تسن في حق من لم يحتج إليها، وكان إذا قام شرع في القراءة، من غير توقف، والسكتة التي فعلها في الركعة الأولى، لم يفعلها في سائر الركعات، وكان يصلى الثانية والثالثة والرابعة، كالأولى إلا في أربعة أشياء: السكتة، ودعاء الاستفتاح، وتكبيرة الإحرام وتطويل هذه الأربعة مختص بالركعة الأولى، وكان إذا جلس للتشهد، افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمني، ووضع يده علي فخذه الأيمن، وعقد
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٤ ص ٢١٧، ٢١٨)، ومسلم برقم (٧٥٩)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٤٧٠).
(٢) رواه الأربعة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم، انظر أبي داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين حديث رقم (٨٥٠ - ج ١ ص ٢٢٤)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين حديث رقم (٢٨٤ - ج ٢ ص ٧٦)، وابن ماجه في كتاب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين حديث رقم (٨٩٨ - ج ١ ص ٢٩٠).
[ ٣٩ ]
أصابعه عقد ثلاث وخمسين ورفع إصبعه (١) المسبحة وحركها، وكان يخفف التشهد الأولى وبعد قيامه من التشهد كان يرفع يديه ويكبر، ثم يشرع في القراء ويقتصر على الفاتحة في الثالثة والرابعة غالبًا.
وقد يقرأ سورة مختصرة على سبيل الندرة. إذا جلس للتشهد الأخير جعل رجله اليسري تحت رجله اليمني، وقوي القعدة علي الأرض، وهذه الكيفية لم تكن في الجلسة الأولى أصلا.
وللعلماء في هذه الكيفية أقوال:
قال بعضهم: يتورك في التشهدين وهو مذهب الإمام مالك.
وقال بعضهم: يفترش فيهما ينصب اليمني ويفترش اليسري ويجلس عليها وهذا مذهب الإمام أبى حنيفة.
وبعضهم يقول كان يتورك في كل تشهد يسلم عقبه ويفترش فيما عداه وهذا مذهب الإمام الشافعي.
وبعضهم يقول: كل صلاة فيها تشهدان يتورك في الآخر ليفرق بين الجلوسين وهذا مذهب الإمام أحمد.
والأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم افترقوا في هذه المسألة عن أربعة أقوال، ووافق كل واحد منهم جماعة من الصحابة والتابعين، وأكمل سياق ورد في بيان صفة صلاة رسول الله - ﷺ - حديث أبي حميد الساعدي في صحيح ابن حبان، وصحيح مسلم قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى صلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذى بهما على منكبيه ويقيم كل عضو في
_________________
(١) انظر صحيح مسلم في كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة حديث رقم (٥٨٠ - ج ١ ص ٤٠٨ - ٤٠٩)، وأبي داود في كتاب الصلاة باب الإشارة في التشهد حديث رقم (٩٨٧ - ج ١ ص ٢٥٩) والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في التشهد حديث رقم (٢٩٤ - ج ١ ص ٨٨)، والنسائي (ج ٢ ص ٢٣٧) في الافتتاح، باب موضع البصر في التشهد حديث رقم (٤٨ - ج ١ ص ٨٨ - ٨٩).
[ ٤٠ ]
موضعه، ثم يقرأ، ثم يرفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلا لا يصوب رأسه، ولا يقنع به، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده"، ويرفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يقر كل عظم إلى موضعه، ثم يهوى إلى الأرض ساجدًا، ويجافى يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثنى رجليه، فيقعد عليهما، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ثم يسجد، ثم يكبر، ويجلس علي رجله اليسري، حتى يرجع كل عظم إلي موضعه ثم يقوم فيصنع في الأخرى مثل ذلك.
ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع عند افتتاح الصلاة، يصلى بقية صلاته هكذا حتى إذا كانت السجدة التي قام فيها التسليم أخرج رجليه وجلس علي شقه الأيسر (١) متوركا.
وفي صلاة الصبح: كان يقنت حينا، ويترك حينا (٢). وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كان يجهر بها حينا ويخفيها حينا، وكان يسر في الظهر والعصر، وقد يرفع صوته قليلا، في بعض الآيات، بحيث يسمعه المؤتمون، ولم يكن يلتفت في الصلاة، وقال: "هو اختلاس يختلسه الشياطين". وقال: "اجتنبوا الالتفات فليكن في صلاة النافلة" وأما قول ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا ولا يلوى عنقه خلف ظهره، وإن كان في جامع الترمذي فهو غريب، ولم يثبت.
سأل شخص الإمام أحمد فقال: بعض أهل الحديث يروون بإسناد: أن النبي - ﷺ -، كان يلحظ في الصلاة ولا يلتفت، فأنكر عليه الإمام أحمد ذلك إنكارًا عظيما، وتغير لونه وارتعش وقال: هذا حديث ليس له إسناد. لكن قد ثبت أنه كان في بعض أسفاره، وقد أرسل في جهة العدو شخصًا ليطالعه
_________________
(١) رواه مسلم وأحمد بنحوه، وابن حبان، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٢ ص ١٨٥).
(٢) متفق عليه. انظر البخاري في كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده حديث رقم (١٠٠٣ - ج ٢ ص ٤٩٠)، ومسلم في كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات حديث رقم (٦٧٧ - ج ١ ص ٤٦٨ - ٤٦٩)، وأبي داود في كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات حديث رقم (١٤٤٣، ١٤٤٤ - ج ٢ ص ٦٨)، والنسائي (ج ٢ ص ٢٠٠) في كتاب الافتتاح، باب القنوت بعد الركوع.
[ ٤١ ]
بأخبارهم، واشتغل بالصلاة وكان يلتفت إلى جهته في أثناء الصلاة، وهذا على سبيل الندرة وفى صلاة النافلة، ولمهم دينى، ومصلحة أهل الإسلام منوطة به، وهو من باب تداخل العبادات، لأنه اشتغل في أثناء الصلاة بالجهاد، وصلاة الخوف تشبه هذا المعنى.
وكان عمر ﵁ يقول: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة وكان - ﷺ - يقرأ التحيات بعد كل ركعتين (١). وكان يدعو في سبعة مواطن:
الأول: عقيب تكبيرة الإحرام كما ذكرناه.
والثاني: قبل الركوع، وبعد الفراغ من القراءة، وفي الوتر.
الثالث: بعد الاعتدال من الركوع كان يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرنى بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" (٢).
الرابع: في حال الركوع كان يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (٣).
الخامس: في السجود وفي الغالب كان يدعو في السجود كما بيننا.
السادس: بين السجدتين كما قلنا.
السابع: بعد التشهد قبل السلام أما الدعاء الذي يفعله الأئمة بعد السلام فإنه لم يكن من عادة النبي - ﷺ -، ولم يثبت في هذا الباب شيء من
_________________
(١) انظر صحيح مسلم في كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة حديث رقم (٤٠٣ - ج ١ ص ٣٠٢ وص ٣٠٣)، وانظر سبل السلام (ج ١ ص ٣٨٥) وما بعدها.
(٢) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع حديث رقم (٤٧٧ - ج ١ ص ٣٤٧)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع حديث رقم (٨٤٧ - ج ١ ص ٢٢٤)، والنسائي (ج ٢ ص ١٩٨ - ١٩٩) في كتاب الافتتاح، باب ما يقول في قيامه ذلك.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ٤٢ ]
الأحاديث وهو بدعة مستحسنة وجميع أدعية الصلاة كانت في نفس الصلاة وبذلك أمر.
وبعض أئمة العلم يقول: الذكر، والتهليل، والتسبيح، والتمجيد، عند الفراغ من الصلاة، مشروع بلا خلاف. وتستحب الصلاة على النبي - ﷺ -، فناسب أن نعقب ذلك بالدعاء وطلب الحاجات من حضرة ذى العزة.