وروى سيف بن عمر فِي الْفتُوح من حَدِيث كَعْب بن مَالك
[ ١٣٢ ]
[﵁] قَالَ: بلغ من وجد / رجال من الْمُسلمين على رَسُول الله [ﷺ] حَتَّى صَارُوا إِلَى أطوار من الوجد، فَأَما عمر [﵁]، فَإِنَّهُ كذب بِمَوْتِهِ، [فَقَالَ]: أَيهَا النَّاس كفوا أَلْسِنَتكُم عَن نَبِي الله [ﷺ] وَسلم فَإِن النَّبِي [ﷺ] لم يمت، وَلَكِن ربه ﷿ وعده كَمَا وَاعد مُوسَى، وَهُوَ آتيكم. وَالله / لَا أسمع أحدا يذكر أَن النَّبِي [ﷺ] توفّي إِلَّا علوته بسيفي هَذَا. وَأما عُثْمَان [﵁] فَإِنَّهُ بهت، فَلم يطق كلَاما. وَأما عَليّ [﵁] فَإِنَّهُ أقعد. وَلم يكن أحد من الْمُسلمين فِي مثل حَال أبي بكر وَالْعَبَّاس [﵄]، فَإِن الله [﷿] دلهما على التَّوْفِيق والسداد، وَإِن كَانَ النَّاس لم يرعوا إِلَّا لقَوْل أبي بكر، جَاءَ الْعَبَّاس قبله فَتكلم بِنَحْوِ من كَلَامه، فَمَا
[ ١٣٣ ]
انْتهى لَهُ أحد مِمَّن ابْتُلِيَ حَتَّى جَاءَ أَبُو بكر [﵁] فَانْتهى النَّاس كلهم إِلَى قَوْله، وَتَفَرَّقُوا عَن كَلَامه.
وَخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيق ابْن / لَهِيعَة عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة، قَالَ: وَقَامَ عمر بن الْخطاب [﵁] يخْطب النَّاس ويوعد من قَالَ قد مَاتَ، بِالْقَتْلِ وَالْقطع. وَيَقُول إِن رَسُول الله [ﷺ] فِي غشية لَو قد قَامَ قتل وَقطع، وَعَمْرو بن قيس بن زَائِدَة بن الْأَصَم بن أم مَكْتُوم قَائِم فِي مؤخرة الْمَسْجِد يقْرَأ: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول﴾
[ ١٣٤ ]
إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾، وَالنَّاس فِي الْمَسْجِد قد ملأوه يَبْكُونَ ويموجون لَا يسمعُونَ. فَخرج عَبَّاس بن عبد الْمطلب على النَّاس، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، هَل عِنْد أحد مِنْكُم من عهد رَسُول الله فِي وَفَاته؟ فليحدثنا. قَالُوا: لَا. قَالَ: هَل عنْدك يَا عمر من علم؟ قَالَ: لَا. قَالَ الْعَبَّاس: أشهد أَيهَا النَّاس أَن أحدا لَا يشْهد على النَّبِي [ﷺ] بِعَهْد عَهده إِلَيْهِ فِي وَفَاته. وَالله الَّذِي / لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لقد ذاق رَسُول الله [ﷺ] الْمَوْت، قَالَ: وَأَقْبل أَبُو بكر [﵁] من السنح / على دَابَّته حَتَّى نزل بِبَاب الْمَسْجِد، ثمَّ أقبل مكروبًا حَزينًا، فَاسْتَأْذن فِي بَيت ابْنَته عَائِشَة ﵂]، فَأَذنت لَهُ [﵁]، فَدخل] وَرَسُول الله [ﷺ] قد توفّي على الْفراش، والنسوة حوله، فخمرن وجوههن واستترن، إِلَّا مَا كَانَ من عَائِشَة
[ ١٣٥ ]
﵂] فكشف عَن رَسُول الله [ﷺ]] فحنى عَلَيْهِ يقبله وَيَقُول: لَيْسَ مَا يَقُول ابْن الْخطاب بِشَيْء، توفّي رَسُول الله [ﷺ]- وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ - رَحْمَة الله عَلَيْك يَا رَسُول الله مَا أطيبك حَيا، وأطيبك مَيتا، ثمَّ غشاه بِالثَّوْبِ، ثمَّ خرج سَرِيعا إِلَى الْمَسْجِد يتوطأ رِقَاب النَّاس، حَتَّى أَتَى الْمِنْبَر، وَجلسَ عمر حِين رأى أَبَا بكر مُقبلا إِلَيْهِ، فَقَامَ أَبُو بكر إِلَى جَانب الْمِنْبَر، ثمَّ نَادَى النَّاس، فجلسوا، فَتشهد أَبُو بكر بِمَا علمه من التَّشَهُّد، وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى نعى نَبِيكُم [ﷺ] إِلَى نَفسه وَهُوَ حَيّ بَين أظْهركُم /، ونعاكم إِلَى أَنفسكُم وَهُوَ الْمَوْت حَتَّى لَا يبْقى أحد إِلَّا الله تَعَالَى. قَالَ الله ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول﴾ إِلَى قَوْله ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ . فَقَالَ عمر: هَذِه الْآيَة فِي الْقُرْآن؟ وَالله مَا علمت أَن هَذِه الْآيَة أنزلت قبل الْيَوْم. وَقَالَ: قَالَ الله ﷿ لمُحَمد / [ﷺ]: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾، ثمَّ قَالَ: قَالَ الله ﵎: (كل
[ ١٣٦ ]
شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ . وَقَالَ: ﴿كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ . وَقَالَ: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت وَإِنَّمَا توفون أجوركم يَوْم الْقِيَامَة﴾ ثمَّ قَالَ: إِن الله ﵎ عمر مُحَمَّدًا [ﷺ] وأبقاه، حَتَّى أَقَامَ دين الله، وَأظْهر أَمر الله، وَبلغ رِسَالَة الله، وجاهد فِي سَبِيل الله، ثمَّ توفاه الله على ذَلِك، فَمن كَانَ الله ربه فَإِن الله حَيّ لايموت، وَمن كَانَ يعبد مُحَمَّدًا وينزله إِلَهًا فقد هلك إلهه /. وَاتَّقوا الله أَيهَا النَّاس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكُم، فَإِن دين الله قَائِم، وَإِن كلمة الله تَامَّة، وَإِن الله نَاصِر من نَصره، ومعز دينه، وَإِن كتاب الله [﷿] بَين أظهرنَا، وَهُوَ النُّور والشفاء، وَبِه هدى الله مُحَمَّدًا ﷺ، وَفِيه حَلَال الله وَحَرَامه، وَالله لَا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إِن سيوف الله لمسلولة، مَا وضعناها بعد، ولنجاهدن من
[ ١٣٧ ]
خَالَفنَا كَمَا جاهدنا مَعَ رَسُول الله [ﷺ]، فَلَا يبغين أحد إِلَّا على نَفسه. ثمَّ انْصَرف مَعَه الْمُهَاجِرُونَ إِلَى رَسُول الله [ﷺ] . وَذكر الحَدِيث فِي غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَدَفنه.