نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: أول ما ابتدىء به رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله ﷿ كرامته ورحمة العباد به ألا يرى شيئًا إلا جاءت كفلق الصبح. (٣٥) فمكث على ذلك ما شاء الله ﷿ أن يمكث، وحبب الله ﷿ إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي، وكان واعية، عن بعض أهل العلم إن رسول الله ﷺ حين أراد الله ﷿ كرامته، وابتدأه بالنبوة، كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله ﷺ خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة وهي تحييه بتحية النبوة: السلام
_________________
(١) سورة يوسف: ١٠٦.
[ ١ / ١٢٠ ]
عليك، رسول الله، فكان رسول الله ﷺ يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه، وكان من نسك في الجاهلية من قريش يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته وقضاه لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة حتى إذا كان الشهر الآخر الذي أراد الله ﷿ ما أراد من كرامته من السنه التي بعثه فيها، وذلك شهر رمضان، فخرج رسول الله ﷺ كما كان يخرج لجواره، وخرج معه بأهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله ﷿ فيها برسالته، ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ:
جاءني وأنا نائم «١» فقال: إقرأ، فقلت: وما اقرأ «٢»؟ حتى ظننت أنه الموت، ثم كشطه عني فقال: إقرأ، فقلت وما أقرأ؟ فعاد لي بمثل ذلك ثم قال: إقرأ، فقلت: وما أقرأ؟ وما أقولها إلا تنجيا أن يعود لي بمثل الذي صنع بي فقال:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي، وكأنما صور «٣» في قلبي كتاب، ولم يكن في خلق الله ﷿ أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد- يعني نفسه، ﷺ- لشاعر أو مجنون، ثم قلت: لا تحدث قريش عني بهذا أبدًا، لأعمدن إلى حالق من الجبل، فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلنها، فلأستريحن، فخرجت ما أريد غير ذلك، فبينا أنا عامد لذلك سمعت مناديًا ينادي من السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله، وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله، وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه، وشغلني عن ذلك وعما أريد، فوقفت ما أقدر على أن (٩٣) أتقدم ولا أتأخر ولا أصرف وجهي في
_________________
(١) زاد الطبري: ٢/ ٣٠١ في روايته عن ابن إسحق «بنمط من ديباج فيه كتاب» .
(٢) زاد الطبري «فغتني حتى » أي عصر في عصرا شديدا.
(٣) في رواية الطبري «وكأنما كتب في..» .
[ ١ / ١٢١ ]
ناحية من السماء إلا رأيته فيها، فما زلت واقفا ما أتقدم ولا أتأخر حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا، فلم أزل كذلك حتى كاد النهار يتحول، ثم انصرف عني، وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفًا إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا، فقلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله يا أبا القاسم من ذلك، ما كان الله ﷿ ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك، وما ذاك يا ابن عم، لعلك رأيت شيئًا أو سمعته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: أبشر يا بن عم، واثبت له، فو الذي تحلف به إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت ثيابها عليها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل- وهو ابن عمها، وكان قد قرأ الكتب، وكان قد تنصر، وسمع التوراة والانجيل، فاخبرته الخبر، وقصت عليه ما قص عليها رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة، إنه لنبي هذه الأمة، وإنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ﵇، فقولي له فليثبت، ورجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته ما قال لها ورقة، فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم بما جاءه فلما قضى رسول الله ﷺ جواره صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة، فقال: يا ابن أخ أخبرني بالذي رأيت وسمعت، فقص عليه رسول الله ﷺ خبره، فقال ورقة: والذي نفس ورقة بيده إنه ليأتيك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ﵇، وإنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذين، ولتكذبن، ولتقاتلن، ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصرًا يعلمه الله، ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله وقد زاده الله ﷿ من قول ورقة ثباتًا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم.
[ ١ / ١٢٢ ]
نا أحمد: نا يونس عن قرة بن خالد قال: حدثني أبو رجاء العطاردي قال: أول سورة نزلت على محمد ﷺ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» .
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقد قال ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي فيما كانت ذكرت (٣٧) له خديجة من أمر رسول الله ﷺ، فيما يزعمون:
إن يك حقا يا خديجة فاعلمي حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز فيها بتوبة ويشقى به العاتي الغوي المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه وأخرى بأحواز الجحيم تغلل
إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت مقامع في هاماتهم ثم من عل
فسبحان من تهوي الرياح بأمره ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها وأقضاؤه في خلقه لا تبدل
وقال ورقة في ذلك أيضًا:
يا للرجال لصرف الدهر والقدر وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها وما لها بخفي الغيب من خبر
جاءت لتسألني عنه لأخبرها أمرا أراه سيأتي الناس من أخر «١»
فخبرتني بأمر قد سمعت به فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره جبريل أنك مبعوث إلى البشر
فقلت عل الذي ترجين ينجزه لك الإله فرجى الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله عن أمر ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا يقف منه أعالي الجلد والشعر
إني رأيت أمين الله واجهني في صورة أكملت في أهيب الصور
_________________
(١) في حاشية ع: لعله أحد.
[ ١ / ١٢٣ ]
ثم استمر فكاد الخوف يذعرني مما يسلم ما حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني أن سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم من الجهاد بلا من ولا كدر
حدثنا أحمد: نا يونس بن بكير عن محمد بن إسحق قال: حدثني عبد الله ابن أبي بكر عن أبي جعفر قال: كان رسول الله ﷺ تصيبه العين بمكة، فتسرع إليه قبل أن ينزل عليه الوحي فكانت خديجة ابنة خويلد تبعث إلى عجوز بمكة ترقيه، فلما نزل عليه القرآن فأصابه من العين نحو مما كان يصيبه، فقالت له خديجة: يا رسول الله ألا أبعث إلى تلك العجوز فترقيك؟ فقال: أما الآن فلا.
نا أحمد: نا يونس عن هشام بن عروة إن رسول الله ﷺ قال: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، فقيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا.
نا أحمد: نا يونس عن يونس بن (٣٨) عمرو عن أبيه عن عبيدة النصري قال: تفاخر رعاء الإبل ورعاء الغنم عند رسول الله ﷺ فأوطأهم رعاء الإبل غلبة، فقالوا: ما أنتم يا رعاء النقد، هل تحمون أو تصيدون، ورسول الله ﷺ جالس، فتكلم فقال: بعث موسى ﵇ وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت أنا، وأنا راعي غنم أهلي بأجياد، فغلبهم رسول الله ﷺ.
نا أحمد: نا يونس عن عبيد بن عتيبة العيذي عن وهب بن كعب بن عبد الله بن سور الأزدي عن سلمان الفارسي أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه ليس من نبي إلا وله وصي وسبطان «١»، فمن وصيك وسبطاك؟ فسكت رسول الله ﷺ لم يرجع شيئًا، فانصرف سلمان يقول: يا ويله، يا ويله كلما لقيه ناس من المسلمين قالوا: مالك سلمان الخير؟ فيقول سألت رسول الله ﷺ عن
_________________
(١) في ع وشيطان، وهو تصحيف.
[ ١ / ١٢٤ ]
شيء، فلم يرد علي، فخفت أن يكون من عضب، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر قال: أدن يا سلمان، فجعل يدنو ويقول: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فقال: سألتني عن شيء لم يأتني فيه أمر، وقد أتاني أن الله ﷿ قد بعث أربعة آلاف نبي، وكان أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف سبط، فو الذي نفسي بيده لأنا خير النبيين، وإن وصيي لخير الوصيين، وسبطاي خير الأسباط.
آخر الجزء الثاني- يتلوه في الثالث إن شاء الله: نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم بعث الله ﷿ محمدا ﷺ رحمة للعالمين، وكافة للناس.
والحمد لله حق حمده وصلواته على محمد سيد المرسلين وعلى أله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل «١» .
_________________
(١) يتبع هذا ورقة عليها سماعات متنوعة بعضها تم سنة ست وخمسين وأربعمائة للهجرة.
[ ١ / ١٢٥ ]