نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: يا معشر إنه قد حضر الموسم،
_________________
(١) أي سريع الاجابة.
(٢) وردت أشطر من هذه الأبيات في قصيدة أثبتها ابن هشام وشرحها السهيلي في الروض: ٢/ ١٨- ١٩.
[ ١ / ١٥٠ ]
وإن وفود العرب ستقدم عليكم (٥٨) وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قول بعضكم بعضا، فقالوا: فأنت يا (أبا) «١» عبد شمس فقل وأقم لنا رأيًا نقوم به، فقال: بل أنتم؛ قولوا أسمع، فقالوا: نقول: كاهن، فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسجعه فقالوا: نقول مجنون، فقال:
ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو تخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، فقالوا: نقول: شاعر، فقال ما هو بشاعر قد عرفنا «٢» الشعر برجزه «٣» وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول:
ساحر، قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، ما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول [يا أبا عبد «٤»] شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، إن أصله لغدق، وإن فرعه لجنًا، فما أنتم بقائلين من هذا «٥» شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا: ساحر، فقولوا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون يسألون الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره، فانزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة، وفي ذلك من قوله: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» إلى قوله: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ»، «٦» وأنزل الله ﷿ في النفر الذين كانوا معه يصنفون «٧» له القول في رسول الله ﷺ وفيما جاء به من عند الله
_________________
(١) زيد ما بين الحاصرتين من ابن هشام، الروض: ٢/ ١١.
(٢) في ع: وعرفنا.
(٣) كتب في الحاشية «هزجه» ولم توضع أية اشارة لا دخالها في النص، هذا وجاء في ابن هشام، الروض: ٢/ ١١ «برجزه وهزجه وقريضه» .
(٤) زيد ما بين الحاصرتين من ابن هشام، الروض: ٢/ ١٢، ذلك أن مكانه جاء مطموسا في الأصل، وفراغا في ع.
(٥) في ع: هنا.
(٦) سورة المدثر: ١١- ٢٦.
(٧) في ع: يصنعون.
[ ١ / ١٥١ ]
تعالى: «الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ» أي أصنافًا «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» «١» أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول الله ﷺ لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
نا يونس عن أبي معشر عن محمد بن قيس في قوله: «وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ» «٢» قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ: إن ما تقول حق، فو الله إن قلوبنا لفي أكنة منه ما نعقله، وفي آذاننا وقر فما نسمعه، ومن بيننا وبينك حجاب فما ندري ما تقول.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم إن قريشا حين عرفت أن أبا طالب أبي خذلان رسول الله ﷺ، وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك، وعدوانهم، مشوا إليه ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له فيما بلغنا: يا أبا طالب قد جئناك بفتى قريش عمارة بن الوليد جمالا، وشبابًا، ونهادة، فهو لك نصره وعقله، فاتخذه ولدًا لا تنازع فيه، وخل بيننا وبين ابن أخيك هذا (٥٩) الذي فارق دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومه، وسفّه أحلامهم، فإنما رجل كرجل لنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة، وأفضل في عواقب الأمور مغبة، فقال لهم أبو طالب: والله ما أنصفتموني، تعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابن أخي تقتلونه «٣»، هذا والله لا يكون أبدًا، أفلا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيره، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: لقد أنصفك قومك يا أبا طالب؛ وما أراك تريد أن تقبل ذلك منهم، فقال أبو طالب للمطعم بن عدي: والله ما أنصفتموني ولكنك قد أجمعت على خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك، أو كما قال أبو طالب، فحقب «٤»
_________________
(١) سورة الحجر: ٩١- ٩٢.
(٢) سورة فصلت: ٥.
(٣) في ع يقتلونه.
(٤) أي اشتد، وفي ع: خفت.
[ ١ / ١٥٢ ]
الأمر عند ذلك، وجمعت «١» للحرب، وتنادى القوم، وبادى «٢» بعضهم بعضا، فقال أبو طالب عند ذلك- وإنه يعرض بالمطعم- ويعم من خذله من بني عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه فيما طلبوا منه وما تباعد من أمرهم.
ألا ليت حظي من حياطتكم بكر «٣» يرش على الساقين من بوله قطر
من الخور حبحاب «٤» كثير رغاؤه إذا ما علا الفيفاء «٥» تحسبه وبر
أرى أخوينا من أبينا وأمنا إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر
بل لهما أمر ولكن ترجما كما ترجمت «٦» من رأس ذي الفلق الصخر
هما أغمزا للقوم في أخويهما وقد أصبحا منهم أكفهما صفر
أخص خصوصًا عبد شمس ونوفلا هما نبذانا مثل ما نبذ «٧» الجمر
فأقسمت لا ينفك منهم مجاور يجادرنا ما دام من نسلنا شفر «٨»
هما أشركا في المجد من لا أخاله من الناس إلا أن يرش له ذكر
وليدًا أبوه كان عبدًا لجدنا إلى علجة زرقاء جاش بها البحر
وتيم ومخزوم وزهرة منهم وكانوا لنا مولى إذا ابتغى النصر
وقد سفهت أحلامهم وعقولهم وكانوا كجفر شرها ضغطت «٩» جفر
_________________
(١) في ع رجعت.
(٢) في ع: ونادوا في، وفي ابن هشام الروض ٢/ ٥: وحميت الحرب، وتنابذ القوم.
(٣) البكر: الفتى من الابل، وأراد بقوله: إن بكرا من الإبل أنفع لي منكم.
(٤) الخور: الضعف، والحبحاب: الصغير.
(٥) الفيفاء: الصحراء، وشبه البكر بالوبر لصغره.
(٦) من رجم أي رمى وقذف، وفي ع وابن هشام، الروض: ٢/ ٩ «تجرجما كما جرجمت» .
(٧) في ع وابن هشام، الروض: ٢/ ٩: ينبذ.
(٨) في ع: شعر هذا وتباينت رواية ابن هشام، الروض: ٢/ ٩ عما ورد تباينا شديدا.
(٩) الضغاطة: الجهل والضعف في الرأي، وفي ع: خفيطت، وفي ابن هشام، الروض ٢/ ٩، صنعت.
[ ١ / ١٥٣ ]