حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: نا يونس، عن ابن إسحق قال: ثم انصرف عبد المطلب آخذًا بيد عبد الله، فمر به- فيما يزعمون- على امرأة من بني أسد ابن عبد العزى بن قصي، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه- فيما يذكرون-: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي؛ قالت: لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الآن، فقال: إن معي أبي الآن، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئًا، فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة- ووهب يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا- فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وهي لبرة «١» بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وأم برة: أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن كعب بن لؤي «٢» .
قال ابن إسحق: فذكروا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه، فوقع عليها عبد الله، فحملت برسول الله ﷺ، فخرج من عندها حتى أتى المرأة التي قالت له ما قالت، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي في مجلسها، فجلس إليها، وقال: ما لك لا تعرضين علي اليوم مثل الذي عرضت عليّ
_________________
(١) أي اسم أمها برة.
(٢) هناك خلاف بين سياق هذا النسب هنا من حيث الطول والاختصار وبين ما جاء عند ابن هشام وسواه.
[ ١ / ٤٢ ]
أمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان فيك، فليس لي بك اليوم حاجة «١» .
حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحق قال: وكانت- فيما ذكروا، تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب- يقول: أنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل، فقالت في ذلك شعرًا، واسمها أم قبال ابنة نوفل بن أسد- كذا قال: «أم قبال»:
الآن وقد ضيعت ما كنت قادرًا عليه وفارقك الذي كان جابكًا
غدوت علي حافلًا قد بذلته هناك لغيري فالحقن بشأنكا
ولا تحسبني اليوم جلوا وليتني أصبت حبيبًا منك يا عبد داركا
ولكن ذا كم صار في آل زهرة به يدعم الله البرية ناسكًا
فأجابها عبد الله فقال:
تقولين قولًا لست أعلم ما الذي يكون وما هو كائن قبل ذلك
فإن كنت ضيعت الذي كان بيننا من العهد والميثاق في ظل دارك
فمثلك قد أصبت عند كل حله ومثلي لا يستام عند الفوارك
فقالت له أيضًا أم قبال:
عليك بآل زهرة حيث كانوا وآمنة التي حملت غلاما
يرى المهدي حين يرى عليه نور قد تقدمه أماما
فيمنع كل محصنة خريد إذا ما كان مرتديًا حساما
وتخفره الشمال وبان منها رياح الجدب تحسبه قتاما
فأنجبه ابن هاشم غير شك وأدته كريمته هماما
فكل الخلق يرجوه جميعًا يسود الناس مهتديا إماما
_________________
(١) روايات المتقدمين حول مسألة النور كثيرة فيها كيف انتقل نور النبوة من صلب آدم الى كبار الانبياء من بعده حتى وصل إلى عبد الله والد النبي، وقد طور الشيعة هذه الروايات كثيرا حيث شكلت ركنا أساسيا في عقائدهم حول الامامة من حيث التسلسل ومن حيث اتصالها بالنبوة.
[ ١ / ٤٣ ]
براه الله من نور مصفى فأذهب نوره عنا الظلاما
وذلك صنع ربك إذ حباه إذا ما سار يومًا أو أقاما
فيهدي أهل مكة بعد كفر ويفرض بعد ذلكم الصياما
وقال عبد المطلب:
دعوت ربي مخفيًا وجهرا أعلنت قولي وحمدت الصبرا
يا رب لا تنحر بني نحرًا وفاده بالمال شفعا ووترا
أعطيك من كل سوام عشرًا أو مائة دهما وكمتا وحمرا
معروفة أعلامها وصحرا لله من مالي وفاء ونذرا
عفوا ولم تشمت عيونًا خزرا بالواضح الوجه المزين عذرا
فالحمد لله الأجل شكرا أعطاني البيض بني زهرا
ثم كفاني في الأمور أمرا قد كان أشجاني وهد الظهرا
فلست والبيت المغطى سترا واللات والركن المحاذى حجرا
منك لأنعمك إلهي كفرا ما دمت حيًا وأزور القبرا
حدثنا أحمد قال: نا يونس بن بكير، عن ابن إسحق قال: حدثني والدي إسحق بن يسار قال: حدثت أنه كان لعبد الله بن عبد المطلب امرأة مع آمنة ابنة وهب بن عبد مناف، فمر بامرأته تلك، وقد أصابه أثر طين عمل به، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به أثر الطين، فدخل فغسل عنه أثر الطين، ثم دخل عامدًا إلى آمنة، ثم دعته صاحبته التي كان أراد إلى نفسها، فأبى للذي صنعت به أول مرة، فدخل على آمنة فأصابها، ثم خرج فدعاها إلى نفسه، فقالت: لا حاجة لي بك، مررت بي وبين عينيك غرة، فرجوت أن أصيبها منك، فلما دخلت على آمنة، ذهبت بها منك.
حدثنا أحمد قال: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحق قال: حدثت أن امرأته تلك كانت تقول: لمر بي وإن بين عينيه لنورًا مثل الغرة، فدعوته
[ ١ / ٤٤ ]
رجاء أن يكون لي، ودخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول الله ﷺ.
حدثنا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ تحدث أنها أتيت حين حملت محمدا ﷺ فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع [إلى] «١» الأرض فقولي:
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد
في كل بر عابد وكل عبد رائد
نزول غير زائد فإنه عبد الحميد الماجد
حتى أراه قد أتى المشاهد
فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدًا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الأرض، واسمه في الفرقان محمد فسميه بذلك.
فلما وضعته، بعثت إلى عبد المطلب جاريتها- وقد هلك أبوه عبد الله وهي حبلى، ويقال أن عبد الله هلك والنبي ﷺ ابن ثمانية وعشرين شهرًا، فالله أعلم أي ذلك كان- فقالت: قد ولد لك الليلة غلام فانظر إليه، فلما جاءها، أخبرته خبره، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه، فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة، فقام عبد المطلب يدعو الله، ويشكر الله الذي أعطاه إياه، فقال:
السعد لله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه بالله «٢» ذي الأركان
حتى يكون بلغة الفتيان حتى أراه بالغ البنان
أعيذه من كل ذي شنئان من حاسد مضطرب العنان
_________________
(١) زيد ما بين الحاصرتين من ابن هشام كيما يستقيم السياق.
(٢) جاء في حاشية الاصل: كذا قال، أراد «أعيذه بالبيت» صح.
[ ١ / ٤٥ ]
ذي همة ليس له عينان حتى أراه رافع اللسان
أنت الذي سميت في الفرقان في كتب ثابتة المثاني
أحمد مكتوبًا على اللسان
وقال عبد المطلب حين فرغ من شأن عبد الله، وفرج عنه ما كان فيه من البلاء وألهم بذبحه:
دعوت ربي دعوة المناصح دعوة مبتاع رضاه رابح
فالله عند قسمة المنائح أعطى على الشح من المشاحح
زمزم لا يمتاحها الممائح إلا الدلاء الزبد السوافح
كم من حجيج مغتد ورائح جاد بها من بعد لوح اللائح
سقيا على رغم العدو الماشح بعد كنوز الحلي والصفائح
حلي لبيت الله ذي المسارح بيت عليه النور كالمصابح
بنيان إبراهيم ذي المسابح بناه بالرفق وحلم راجح
بين الجبال الصم والصرادح فهو مثاب لذوي الطلائح
ينتابه من كل فج نازح مشتبه الأعلام والصحاصح
وقال عبد المطلب:
الحمد للخالق لا العباد لما رأى جدي واجتهادي
وانني موفيه بالميعاد والعهد إن العهد ذو معاد
فرج عني كربة الفؤاد ونال مني فدية المفادي
فاديت عبد الله من تلادي إن البنين فلذ الأكباد
ثماره كالقرع للفؤاد أدم وحمر كلها تلاد
قلت للحباسي لها ذواد هل منكم من صيت ينادي
الإبل نهب بين أهل الوادي فتركوها وهي في عصواد
يركبها بالآلة الحداد كأنها رهو من المزاد
يردي بها ذو أحبل صياد وراح عبد الله في الأبراد
[ ١ / ٤٦ ]
يغيظ أعدائي من الحساد نجيته من كرب شداد
وقال عبد المطلب أيضًا:
الحمد لله على ما أنعما أعطى على رغم العدو زمزما
تراث قوم لم يكن مهدما والحاسدون يخرقون الأدما
ولم يكن حافرها ليندما أصاب فيها حلية فتسلما
لله ما أجرى عليه الأسهما والله أوفى نذره إذ أقسما
أعطى بنين عصبة وخدما فلست والله أريد مأثما
في النذر أو اهريق لله دما منهم وقد أوفيتهم فتمما
من بعد ما كنت وحيدًا أيما يراني الأعداء قرنًا أعصما
أعضب أو ذا ارتياب أعسما
وقال عبد المطلب:
دعوت ربي دعوة المغلوب ونعم مدعى السائل المكروب
فالحمد للمستمع العجيب أعطى على رغم ذوي الذنوب
إلي والشحناء والعيوب زمزم ذات الموضع العجيب
بين سواد الصنم المنصوب وبين بيت الله ذي الحجوب
وتحت فرث النعم المغصوب
[ ١ / ٤٧ ]