نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني شيخ من أهل مكة قديم منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس أن عتبة وشيبة إبني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث أخا بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاصي ابن وائل، ونبيه ومنبه ابني الحجاج السهميين اجتمعوا، أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا وهو يظن أن قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، ولقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك به رئى «١» تراه قد غلب عليك- وكانوا
_________________
(١) أنظر الروض: ٢/ ٤٩.
[ ١ / ١٩٧ ]
يسمون التابع من الجن رئى، فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر «١» فيك، فقال لهم رسول ﷺ: ما أدري ما تقولون [٩١] ما جئتكم بما جئتكم به لطلب «٢» أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم «٣»، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم، أو كما قال رسول الله ﷺ.
فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا ولا أقل ماء، ولا أشد عيشًا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجري فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا فيهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخًا صدوقًا، نسلهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن صنعت لنا ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولًا كما تقول، فقال لهم رسول الله ﷺ: ما بهذا بعثت إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوا مني فهو حظكم من الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
فقالوا فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث معك ملكًا يصدقك بها تقول ويراجعنا عنك وسله فليجعل لك جنانا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، وحتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما
_________________
(١) في ع: يعذر.
(٢) في ع: أطلب.
(٣) في ع: فيكم.
[ ١ / ١٩٨ ]
تزعم، فقال لهم رسول ﷺ: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسل ربه هذا ولا بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال رسول الله ﷺ: ذلك إليه إن شاء فعل ذلك بكم؛ قالوا:
يا محمد فاعلم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى تهلك [٩٢] أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهن بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلًا، فلما قالوا له ذلك قام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، ابن عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثم أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب، فو الله لا أومن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك منشور ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، وإيم الله أن أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا آسفًا لما فاته مما كان فيه يطمع من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه فلما قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا
[ ١ / ١٩٩ ]
بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت «١» به رأسه، فأسلموني عند ذلك وامنعوني «٢» فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدوا، وكان رسول الله ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام وكان إذا صلى صلى بين الركنين الأسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله ﷺ يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع متهيبًا منتقعا قد تغير لونه مرعوبًا قد يبست يده على حجره حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ فقال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، ولما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بأن يأكلني.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال:
ذلك جبريل لو دنا لأخذه.
نا يونس قال: ثم رجع الحديث [٩٣] إلى الأول قال: فلما قال له ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما اشلتم «٣» له نبله بعد، لقد كان محمد فيكم غلاما حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم،
_________________
(١) فضخه: كسره، ولا يكون إلا في شيء أجوف.
(٢) كذا في الأصل وفي ع ولعل الصواب «أو امنعوني» كما جاء في ابن هشام، الروض: ٢/ ٣٨.
(٣) أي نزل بكم أمر لم تقدروه حق قدره ولم تحتاطوا له بما يلزم، وجاء عند ابن هشام، الروض: ٢/ ٣٨ «نزل بكم أمر ما آتيتم له بحيلة بعد» .
[ ١ / ٢٠٠ ]
ساحر، ولا والله ما هو بساحر، قد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم:
كاهن، ولا والله ما هو بكاهن، وقد رأينا الكهنة وحالهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، ولا والله ما هو بشاعر ولقد روينا الشعر وأصنافه كلها هزجه ورجزه وقريضه، وقلتم: مجنون، ولا والله ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش انظروا في شأنكم، فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم.
وكان النضر من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفندباذ وكان رسول الله ﷺ إذا جلس مجلسًا يذكر فيه بالله ويحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة «١» الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول:
أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم «٢» عن ملوك فارس ورستم وأسفندباذ، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني رجل من أهل مكة عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: أنزل الله في النضر ثماني آيات، قول الله تعالى:
«إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» «٣» وكل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن «٤» .
فلما قال النضر ذلك بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا لهما: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله،
_________________
(١) في ع: نعمه.
(٢) في ع: فيحدثهم، وعن رستم وأسفندباذ، أنظر الروض: ٢/ ٥٢- ٥٣.
(٣) سورة المطففين: ١٣.
(٤) أنظر سور: الأنعام ٢٥. الأنفال: ٣١. النحل: ٢٤. المؤمنون: ٨٣. الفرقان: ٥. النمل: ٦٨. الأحقاف: ١٧. القلم: ١٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم أمره، وأخبروهم ببعض قوله، وقالوا لهم: إنكم أهل التوراة فقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث يأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا «١» فيه رأيكم، سلوه عن [٩٤] فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان بناؤه، وسلوه عن الروح ما هو، فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله ﷺ: أخبركم عما سألتم عنه غدًا، ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله تعالى إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل ﵇ حتى أرجف أهل مكة وقالوا:
وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة وقد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشىء مما سألناه عنه، حتى حزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق عليه ما تكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، يقول الله تعالى:
«وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» . «٢»
_________________
(١) أي اعملوا فيه رأيكم.
(٢) سورة الاسراء: ٨٥.
[ ١ / ٢٠٢ ]
نا أحمد: نا يونس عن ابن اسحق قال: فبلغني إن رسول الله ﷺ افتتح السورة فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ) يعني محمدًا إنك رسول مني، تحقيقًا لما سألوه عنه من نبوته (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا أي معتدلًا لا اختلاف فيه (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ «١») قال: عاجل عقوبة في الدنيا، وعذابه في الآخرة من عند ربك الذي بعثك رسولًا.
_________________
(١) سورة الكهف: ١- ٢.
[ ١ / ٢٠٣ ]