أخبرنا الشيخ أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور البزاز قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: قرىء على أبي الحسين رضوان بن أحمد وأنا أسمع قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحق قال: وكان أبو طالب هو الذي أضاف أمر رسول الله ﷺ إليه بعد جده، فكان إليه ومعه.
ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرًا، فلما تهيأ للرحيل، وأجمع السير «٢» صب «٣» له رسول الله ﷺ فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم؟ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا؛ أو كما قال.
فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة
_________________
(١) في ع: بسم الله الرحمن الرّحيم- وصلى الله على سيدنا محمد وآله. وليس فيها العنوان.
(٢) في الروض ١/ ٢٠٥- المسير.
(٣) جاء في حاشية الأصل خ هب والذي أثبته ابن هشام وشرحه السهيلى في الروض ١/ ٢٠٦ هو نفس ما جاء هنا حيث قال: «الصبابه رقة الشوق» هذا وذكر السهيلى بأن البعض قد رواها «ضبث به رسول الله أي لزمه» .
[ ١ / ٧٣ ]
قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيهم «١» فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا مما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبًا من صومعته، فصنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك- فيما يزعمون- عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب، حين أقبلوا وغماما تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة، وتهصرت «٢» أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى «٣» استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم، وحركم وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا إن لك اليوم لشأنًا ما كنت تصنع هذا فيما مضى، وقد كنا نمر بك كثيرا فما [٢] شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم صغيركم [وكبيركم] «٤»، فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم- لحداثة سنه- في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، قال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، قالوا له:
يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا، تخلف في رحالهم، قال: فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل مع القوم من قريش: واللات والعزى إن هذا للؤم بنا، يتخلف
_________________
(١) أثبت في حاشية ع: فيها.
(٢) الهصر: الجذب والامالة والكسر والدفع والادناء وعطف شيء رطب كالغصن ونحوه وكسره من غير بينونة أو عطف اي شيء.
(٣) سقطت من ع.
(٤) زيدت من ع.
[ ١ / ٧٤ ]
ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا! ثم قام إليه فاحتضنه، ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسلني باللات والعزى شيئًا، فو الله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما، فقال له بحيرا: فبالله إلا أخبرتني عما أسلك عنه، قال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من نومه، وهيئته، وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده «١»، فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال له:
ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟
قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
فزعموا فيما يتحدث «٢» الناس أن زبيرا «٣» وتمامًا، ودريسا، وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله ﷺ- في ذلك السفر الذي كان
_________________
(١) من اجل خاتم النبوة وصفاته انظر الروض: ١/ ٢٠٦.
(٢) في ع: يحدث.
(٣) في الروض: ١/ ٢٠٦ «زريرا» .
[ ١ / ٧٥ ]
فيه مع عمه أبي طالب- أشياء، فأرادوه، فردهم عنه بحيرا «١»، وذكرهم الله ﷿، وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، أنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قال لهم، وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا، فقال أبو طالب في ذلك من الشعر، يذكر مسيره برسول الله ﷺ وما أرادوا منه- أولئك النفر «٢» - وما قال لهم فيه بحيرا:
إن ابن آمنة النبي محمدًا عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق بالزمام رحمته والعيس قد قلصن «٣» بالأزواد
فارفض من عيني دمع ذارف مثل الجمان مفرق الأفراد
راعيت فيه قرابة موصولة وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرته بالسير بين عمومة بيض الوجوه مصالت أنجاد
ساروا لأبعد طية «٤» معلومة فلقد تباعد طية المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا لاقوا على شرك من المرصاد
حبرا فأخبرهم حديثا صادقا عنه ورد معاشر الحساد
قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى ظل الغمام وعز ذي الأكياد
ساروا لقتل محمد فنهاهم عنه وأجهد أحسن الإجهاد
_________________
(١) أورد السهيلي في الروض: ١/ ٢٠٥ خلاصة المادة الاخبارية العربية حول شخصية بحيرا الراهب، هذا وتحوي مدينة بصرى بين خرائبها بقايا كنيسة كبيرة يعتقد الأهلون انها بقايا كنيسة بحيرا، كل هذا في حين ان غالبية علماء السيرة لهذا العصر ينفون وجود شخصية بحيرا تاريخيا، ويرون ان الاخبار حولها مخترعة، املاها مجاراة ما جاء في سير حياة الانبياء الكتابيين وغيرهم من نبوءات وبشائر.
(٢) لعل عبارة اولئك النفر كانت في الاصل حاشية شارحة ثم ادمجت من قبل الرواة والنساخ في المتن، ومثل هذا يكثر وقوعه في كتب الاخبار والأدب ولعله المسؤول عن تفاوت نصوص نسخ الأصول الواحدة، كما يبدو أنه سبب تصخم المادة الاخبارية المتأخرة حول حوادث وردت في المصادر القديمة مختصرة.
(٣) اي وثبن.
(٤) الطية الوطن، المنزل، والثنية.
[ ١ / ٧٦ ]
فثنى زبيرًا بحيرا فانثنى في القوم بعد تجادل وبعاد
ونهى دريسا فانتهى عن قوله حبر يوافق أمره برشاد
وقال أبو طالب أيضًا:
ألم ترني من بعد هم هممته بفرقة «١» حر الوالدين كرام
بأحمد لما أن شددت مطيتي برحلي وقد «٢» ودعته بسلام
بكى حزنا والعيس قد فصلت بنا وأخذت بالكفين فضل زمام
ذكرت أباه ثم رقرقت عبرة تجود من العينين ذات سجام
فقلت: تروح راشدا في عمومة مواسين في البأساء غير لئام
فرحنا مع العير التي راح أهلها شآمي الهوى والأصل غير شآمي
فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا لنا فوق دور ينظرون جسام
فجاد بحيرا عند ذلك حاشدا لنا بشراب طيب وطعام [٤]
فقال: اجمعوا أصحابكم لطعامنا فقلنا جمعنا القوم غير غلام
يتيم، فقال: ادعوه إن طعامنا كثير، عليه اليوم غير حرام
فلما رآه مقبلا نحو داره يوقيه حر الشمس ظل غمام
حنا رأسه شبه السجود وضمه إلى نحره «٣» والصدر أي ضمام
وأقبل ركب يطلبون الذي رأى بحيرا من الأعلام وسط خيام
فثار إليهم خشية لعرامهم وكانوا ذوي دهى معا وعرام
دريسًا وتماما وقد كان فيهم زبيرًا وكل القوم غير نيام
فجاءوا وقد هموا بقتل محمد فردهم عنه بحسن خصام
بتأويله التوراة حتى تفرقوا وقال لهم: ما أنتم بطغام
فذلك من أعلامه وبيانه وليس نهار واضح كظلام
_________________
(١) في ع لفرقة.
(٢) في ع لترحل اذ.
(٣) في ع نجده.
[ ١ / ٧٧ ]
وقال أبو طالب أيضًا:
بكى طربًا لما رآنا محمد كأن لا يراني راجعا لمعاد
فبت يجافيني تهلل دمعه وقربته من مضجعي ووسادي
فقلت له: قرب قعودك وارتحل ولا تخشى مني جفوة ببلادي
وخل زمام العيس وارتحلن بنا على عزمة من أمرنا ورشاد
ورح «١» رائحًا في الراشدين مشيعًا لذي رحم في القوم غير معاد
فرحنا مع العير التي راح ركبها يؤمون على غوري أرض إباد
فما رجعوا حتى رأوا من محمد أحاديث تجلو غم كل فؤاد
وحتى رأوا حبار كل مدينة سجودا له من عصبة وفراد
زبيرا وتماما وقد كان شاهدًا دريسًا وهموا كلهم بفساد
فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا له بعد تكذيب وطول بعاد
كما قال للرهط الذين تهودوا وجاهدهم في الله كل جهاد
فقال ولم يملك له النصح: رده فإن له أرصاد كل مضاد
فإني أخاف الحاسدين وإنه أخو الكتب مكتوب بكل مداد
حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحق قال: فشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعائبها لما يريد به من كرامته ورسالته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم مخالطة وأحسنهم جوارا، وأعظمهم خلقا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش [٥] والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع الله ﷿ فيه من الأمور الصالحة، وكان رسول الله ﷺ، فيما ذكر لي، يحدث عما كان يحفظه الله ﷿ به في صغره وأمر جاهليته.
_________________
(١) في ع وراح.
[ ١ / ٧٨ ]
حدثنا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: فحدثني والدي إسحق بن يسار عمن حدثه عن رسول الله ﷺ أنه قال فيما يذكر من حفظ الله ﷿ إياه: إني لمع غلمان هم أسناني قد جعلنا أزرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها نلعب بها إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال: أشدد عليك إزارك.
حدثنا أحمد قال: نا يونس عن عمرو بن ثابت عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدثني أبي العباس بن عبد المطلب قال: كنا ننقل الحجارة حين بنت «١» قريش البيت، فأفردت قريش رجلين رجلين، وكان النساء ينقلن الشيد، وكان الرجال ينقلون الحجارة، فكنت أنقل أنا وابن أخي، فكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس ائتزرنا، فبينا أنا أمشي ومحمد ﷺ قدامي ليس عليه شيء، إذ خر محمد فانبطح، فألقيت حجري وجئت أسعى وهو ينظر إلى السماء فوقه، فقلت:
ما شأنك؟ فقام فأخذ ازاره ونهاني أمشي عريانًا، فلبثت أكتمها الناس مخافة أن يقولوا مجنون، حتى أظهر الله ﷿ نبوته.
حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن عبد الله ابن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي ابن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله ﷿ فيهما: قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي:
أتبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر فيها كما يسمر الفتيان؟ فقال بلى، قال: فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير، فقلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله ﷿ على أذني، فو الله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت
_________________
(١) في ع: بات.
[ ١ / ٧٩ ]
إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما [٦] فعلت شيئًا ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فسألت فقيل:
فلان نكح فلانة فجلست أنظر، وضرب الله ﷿ على أذني، فو الله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت:
لا شيء، ثم أخبرته الخبر، فو الله ما هممت ولاعدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله ﷿ بنبوته.
[ ١ / ٨٠ ]