حدثنا أحمد: نا يونس عن محمد بن إسحق قال: وكانت قريش حين رفعوا بنيان الكعبة وسقوفها يترافدون على كسوتها كل عام، تعظيمًا لحقها، وكانوا يطوفون بها، ويستغفرون الله عندها، ويذكرونه مع تعظيم الأوثان والشرك في ذبائحهم ودينهم كله، وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحارث «١» بن أسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم حليف بني أمية، حضروا قريشًا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض، وقالوا:
_________________
(١) كذا في الأصل، والمعروف أنه ابن الحويرث- انظر الروض: ١/ ٢٥٣.
[ ١ / ١١٥ ]
تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين إبراهيم ﵇ وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلها، الحنيفة دين إبراهيم ﵇.
فأما ورقة بن نوفل فتنصر، فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علمًا كثيرًا من أهل الكتاب.
فلم يكن فيهم أعدل أمرًا، ولا أعدل شأنًا من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين إبراهيم يوحد الله ﷿ ويخلع من دونه، ولا يأكل ذبائح قومه، باداهم بالفراق لما هم فيه.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل أن زيدًا كان إذا دخل الكعبة قال: لبيك حقا حقا تعبدًا ورقًا، عذت بما عاذ به إبراهيم، وهو قائم، إذ قال: أنفي لك عان راغم (٣٢) مهما تجشمني فإني جاشم، البر أبغي لا الخال- يقول: لا الفخر- ليس مهجر كمن قال. «١»
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني هشام بن عروة قال: رواني
_________________
(١) انظر الروض: ١/ ٢٦٢ مع فوارق كبيرة.
[ ١ / ١١٦ ]
عروة بن الزبير إن زيد بن عمرو بن نفيل قال:
أربًا واحدًا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا عزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي بني عمرو أدير
ولا غنمًا أدين وكان ربا لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجبات وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالًا كثيرًا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم فيربك منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوما كما يتروح الغصن النضير
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضًا:
أسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرًا ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبًا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالا فحالا
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وكان الخطاب بن نفيل قد آذى زيد ابن عمرو بن نفيل حتى خرج عنه إلى أعلى مكة، فنزل حراء، مقابل مكة، ووكل به الخطاب شبابًا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال: لا تتركوه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرًا منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب، فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراقهم، وكان الخطاب عم زيد، وأخاه لأمه، وكان عمرو بن نفيل قد خلف على أم الخطاب بعده، فولدت له زيد بن عمرو، وكان الخطاب عمه وأخوه لأمه مع سنه، فكان يعاتبه على فراق دين قومه حتى آذاه، فقال زيد بن عمرو وهو يعظم حرمته على من استحل من قومه ما استحل:
[ ١ / ١١٧ ]
اللهم إني محرم لا أحلة وإن بيتي أوسط المحلة
عند الصفا ليس بذي مظلة
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: فحدثت أن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل: إن كان لأول (٣٣) من عاب علي الأوثان، ونهاني عنها، أقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة حتى مررت بزيد بن عمرو وهو بأعلى مكة وكانت قريش قد شهرته بفراق دينها حتى خرج من بين أظهرهم، وكان بأعلى مكة، فجلست إليه ومعي سفرة لي فيها لحم يحملها زيد بن حارثة من ذبائحنا على أصنامنا، فقربتها له، وأنا غلام شاب، فقلت: كل من هذا الطعام أي عم، قال: فلعلها أي ابن أخي من ذبائحكم هذه التي تذبحون لأوثانكم؟
فقلت: نعم، فقال: أما إنك يا ابن أخي لو سألت بنات عبد المطلب أخبرنك أني لا آكل هذه الذبائح، فلا حاجة لي بها، ثم عاب علي الأوثان ومن يعبدها ويذبح لها، وقال: إنما هي باطل لا تضر ولا تنفع، أو كما قال.
قال؛ قال رسول الله ﷺ: فما تحسست بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها، ولا ذبحت لها حتى أكرمني الله ﷿ برسالته «ﷺ» .
نا أحمد: نا يونس عن المسعودي عن نفيل بن هشام عن أبيه قال: مر زيد بن نفيل على رسول الله ﷺ وعلى زيد بن حارثة، فدعواه إلى سفرة لهما، فقال زيد:
يا ابن أخي إني لا آكل ما ذبح على النصب، قال: فما رئي رسول الله ﷺ بعد ذلك اليوم يأكل شيئًا ذبح على النصب. «١»
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقد كان زيد أجمع على الخروج من مكة يضرب في الأرض، يطلب الحنيفية دين إبراهيم، فكانت إمرأته صفية ابنة الحضرمي كلما أبصرته قد نهض إلى الخروج وأراده، آذنت به الخطاب بن نفيل، فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم،
_________________
(١) لم أقف على هذا الخبر في مصدر آخر.
[ ١ / ١١٨ ]
ويسأل عنه، فلم يزل في ذلك حتى أتى الموصل، أو الجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام، فجال فيها حتى أتى راهبا ببيعته من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية، فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال الراهب:
إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس علمه، وذهب من يعرفه، ولكنه قد أظلك خروج نبي يبعث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم، الحنيفية، فعليك ببلادك فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه، وقد كان شام «١» اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئًا منهما فخرج سريعا- حين قال له الراهب ما قال- يريد مكة، حتى إذا كان بأرض لخم، عدوا عليه فقتلوه فقال ورقة بن نوفل، وكان قد اتبع مثل أثر زيد، ولم يفعل في ذلك (٣٤) ما فعل، فبكاه ورقه فقال:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ولو كان تحت الأرض ستين واديًا
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن عمر بن الخطاب، وسعيد ابن زيد قالا: يا رسول الله نستغفر لزيد؟ فقال: نعم، فاستغفروا له، فإنه يبعث أمة وحده.
نا أحمد: نا يونس عن المسعودي عن نفيل بن هشام عن أبيه أن جده سعيد بن زيد سأل رسول الله ﷺ عن أبيه زيد بن عمرو فقال: يا رسول الله إن أبي زيد بن عمرو كان كما رأيت، وكما بلغك، فلو أدركك آمن بك، فأستغفر له؟ قال: نعم، فاستغفر له فإنه يجيء يوم القيامة أمة وحده، وكان فيما ذكروا يطلب الدين، فمات وهو في طلبه.
_________________
(١) أي اختبر.
[ ١ / ١١٩ ]
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: وكان حين أراد الله ﷿ كرامة نبيه ﷺ، ورحمة العباد به واتخاذ الحجة عليهم، والعرب على أديان مختلفة متفرقة، مع ما يجمعهم من تعظيم الحرمة، وحج البيت، والتمسك بما كان بين أظهرهم من آثار إبراهيم ﷺ، وهم يزعمون أنهم على ملته، وكانوا يحجون البيت على اختلاف من أمرهم فيه.
فكانت الحمس: قريش وكنانة، وخزاعة، ومن ولدت قريش من سائر العرب يهلون بحجهم، فمن اختلافهم أن يقولوا: لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. فيوحد فيه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده- يقول الله ﷿ لمحمد ﷺ: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ «١»» ولا يخرجون من الحرم ولا يدفعون من المزدلفة، يقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه، وكانوا يسكنون البيوت إذا كانوا حرمًا، وكان أهل نجد من مضر يهلون إلى البيت ويقفون على عرفة.