نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: فلما مضى رسول الله ﷺ على الذي بعث به، وقامت بنو هاشم، وبنو المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه، وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه، إلا أنهم أنفوا أن يستذلوا، ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه، فلما فعلت ذلك بنو هاشم، وبنو المطلب، وعرفت قريش أنه لا سبيل إلى محمد ﷺ معهم، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعونهم ولا يبتاعون منهم، فكتبوا صحيفة في ذلك، وكتب في الصحيفة عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم، وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة فيهم وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فخرج أبو لهب عدو الله يظاهر عليهم قريش، وقال: قد نصرت اللات والعزى يا معشر قريش، فأنزل الله ﷿: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» إلى آخرها.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقالت صفية بنت عبد المطلب:
ألا من مبلغ عني قريشًا ففيم الأمر فينا والإمار
لنا الأمر المقدم قد علمتم ولم توقد لنا بالغدر نار
_________________
(١) في ع: بسمراء.
(٢) في ع: اساف، ومن اجل اساف ونائلة، انظر الروض: ١/ ١٠٥.
[ ١ / ١٥٦ ]
مجازيل العطا إذا وهبنا وأيسار إذا ابتغى اليسار [٦٢]
وكل مناقب الخيرات فينا وبعض الأمر منقصة وعار
فلا والعاديات «١» غداه جمع بايديها إذا سطع الغبار
لنصطبرن لأمر الله حتى يبين ربنا أين القرار
وقال إبو طالب:
الا أبلغا عني على ذات نأيها لؤيًا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدًا نبيا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة ولا خير فيمن خصه الله بالخب
وأن الذي أضفتم في كتابكم لكم كائن نحسا كراغبة السقب «٢»
أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الثرى ويصبح من لم يجن ذنبًا كذي الذنب
ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا أياصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربًا عوانا وربما أمر على من ذاقه حلب الحرب
ولسنا ورب البيت نسلم أحمدا على الحال «٣» من عض الزمان ولا كرب
أليس أبونا هاشم شد أزره وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ولا نتشكى ما ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفاظ والنهى إذا طار أرواح الكماة من الرعب
وقال أبو طالب:
الا أبلغا عني لؤيا رسالة بحق وما تغني رسالة مرسل
بني عمنا الادنين تيما نخصهم وأخوتنا من عبد شمس ونوفل
أظاهرتم قومًا علينا ولاية وأمر غوي من غواة وجهل
يقولون إن قد قتلنا محمدا أقرت نواصي هاشم بالتذلل
كذبتم ورب الهدي «٤» تدمى نحورها بمكة والركن العتيق المقبل
_________________
(١) في ع: العارات.
(٢) السقب: ولد الناقة.
(٣) في ع العزاء.
(٤) الهدي ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر.
[ ١ / ١٥٧ ]
تناولونه أو تعطلون لقتله صوارم تفري كل عظم ومفصل
وتدعو بويل أنتم إن ظلمتم مقابله في يوم أغر محجل
فمهلا ولما تنجح الحرب بكرها ويأتي تماما أو بآخر معجل
وانا متى ما نمرها بسيوفنا تجلجل «١» وتعرك من نشا بكلكل
ويعلو ربيع الأبطحين محمد على ربوة من راس عنقاء عيكل «٢»
ويأوي إليها هاشم إن هاشمًا عرانين كعب آخر بعد أول [٦٣]
فإن كنتم ترجون قتل محمد فروموا بما جمعتم نقل يدبل «٣»
فإنا سنمنعه بكل طمرة «٤» وذي ميعة «٥» نهد المراكل هيكل «٦»
وكل رديني طمى كعوبة «٧» «٨» وغصب كما ماض الغمامة مفصل
بأيمان شم من ذوابة هاشم مغاوير بالأبطال في كل محفل
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: فلما سمعت قريش بذلك، ورأوا منه الجد وأيسوا منه، فأبدوا لبني عبد المطلب الجفاء، فانطلق بهم أبو طالب فقاموا بين أستار الكعبة، فدعوا الله على ظلم قومهم لهم، وفي قطيعتهم أرحامهم واجتماعهم على محاربتهم، وبتأولهم سفك دمائهم، فقال أبو طالب: اللهم إن أبي قومنا إلا النصر علينا، فعجل نصرنا، وحل بينهم وبين قتل إبن أخي، ثم أقبل إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه، فقال أبو طالب: ندعو
_________________
(١) في ع: تخلخل.
(٢) العنقا، طائر اسطوري دعاه العرب باسم عنقاء، مغرب، والعيكل ظهر الكثيب أو العظيم من الرمال.
(٣) جبل مشهور الذكر بنجد.
(٤) الفرس الجواد.
(٥) في ع: نيعه.
(٦) في ع يكل، ويصف هذا الشطر الفرس وجودتها.
(٧) الرمح الرديني منسوب الى ردينة، وهي امرأة كانت تعمل الرماح، وطمى غطى، الكعوب ما بين الانبوبتين من القصب.
(٨) العضب: الحسام القاطع.
[ ١ / ١٥٨ ]
برب هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم، والله لتنتهن عن الذين تريدون، أو لينزلن الله بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون، فأجابوه إنكم يا بني عبد المطلب لا صلح بيننا وبينكم ولا رحم إلا على قتل هذا الصبي السفيه.
ثم عمد أبو طالب فأدخل الشعب إبن أخيه وبني أبيه ومن اتبعهم من بين مؤمن، دخل لنصرة الله، ونصره رسول الله ﷺ، ومن بين مشرك يحمي، فدخلوا شعبهم، وهو شعب في ناحية من مكة، فلما قدم عمرو- عمرو بن العاصي- وعبد الله بن أبي ربيعة إلى قريش «١» وأخبروهم بالذي قال النجاشي لمحمد ﷺ وأصحابه، اشتد وجدهم، وآذوا النبي ﷺ وأصحابه أذى شديدًا وضربوهم في كل طريق وحصروهم في شعبهم وقطعوا عنهم المادة من الأسواق، فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعامًا ولا شيئًا مما يرفق بهم، وكانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم، وكانت قريش تبادرهم إلى الأسواق فيشترونها ويغلونها عليهم، ونادى منادي الوليد بن المغيرة في قريش: أيما رجل وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه.
نا يونس عن عيسى بن عبد الله التميمي عن الربيع بن أنس قال: نزلت في الوليد بن المغيرة: «عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ» «٢» قال: فاحش مع ذلك لئيم.
نا أحمد: نا يونس عن إبن إسحق في حديثه عن الوليد: فمن رأيتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه، وحولوا بينهم وبينه [٦٤] ومن لم يكن عنده نقد فليشتر «٣» وعلي النقد، ففعلوا ذلك ثلاث سنين حتى بلغ القوم الجهد الشديد، وحتى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب، وكان المشركون يكرهون ما فيه بنو هاشم من البلاء، حتى كره عامة قريش ما أصاب بني هاشم، وأظهروا لكراهيتهم لصحيفتهم القاطعة الظالمة الذي تعاهدوا فيها على
_________________
(١) سيأتي خبر الهجرة إلى الحبشة وما صنعته قريش تجاه ذلك بعد قليل.
(٢) سورة القلم: ١٣.
(٣) سقطت الواو من ع.
[ ١ / ١٥٩ ]
محمد ﷺ ورهطه، وحتى أراد رجال منهم أن يبرءوا منها، وكان أبو طالب يخاف أن يغتالوا رسول الله ﷺ ليلًا أو سرًا، فكان رسول الله ﷺ إذ أخذ مضجعه أو رقد بعثه أبو طالب عن «١» فراشه وجعله بينه وبين بنيه خشية أن يقتلوه؛ وتصبح قريش فيسمعوا من الليل أصوات صبيان بني هاشم الذين في في الشعب يتضاغون من الجوع، فإذا أصبحوا جلسوا عند الكعبة فيسأل بعضهم بعضًا، فيقول الرجل لصاحبه: كيف بات أهلك البارحة؟ فيقول: بخير، فيقول: لكن اخوانكم هؤلاء الذين في الشعب بات صبيانهم يتضاغون من الجوع حتى أصبحوا، فمنهم من يعجبه ما يلقى محمد ﷺ ورهطه، ومنهم من يكره ذلك، فقال أبو طالب، وهو يذكر ما طلبوا من محمد ﷺ، وما حشدوهم في كل موسم يمنعونهم أن يبتاعوا بعض ما يصلحهم، وذكر في الشعر:
ألا من لهم آخر الليل معتم طواني وأخرى النجم لم يتقحم
طواني وقد نامت عيون كثيرة وسائر أخرى ساهر لم ينوم «٢»
لأحلام أقوام أرادوا محمدًا بسوء ومن لا يتقي الظلم يظلم
سعوا سفها واقتادوهم سوء رأ يهم على قائل من رأيهم غير محكم
رجا أمور لم ينالوا نظامها وإن حشدوا في كل نفر وموسم
يرجون أن نسخا بقتل محمد ولم تختضب سمر العوالي من الدم
يرجون منا خطة «٣» دون نيلها ضراب وطعن بالوشيج المقوم
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه جماجم تلقى بالحطيم وزمزم
وتقطع أرحام وتنسى «٤» حليلة حليلها «٥» ونغشًا محرمًا بعد محرم
وينهص قوم في الدروع إليكم يذبون عن أحسابهم كل مجرم
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق: فأقامت قريش على ذلك من أمرهم في
_________________
(١) في ع: على.
(٢) في ع: تنوم.
(٣) في ع: ساخطة.
(٤) في ع: وتسبي.
(٥) في ع: جليلة.
[ ١ / ١٦٠ ]
بني هاشم وبني المطلب [٦٥] سنتين أو ثلاثًا، حتى جهد القوم جهدًا شديدًا لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، أو مستخفًا ممن أراد صلتهم من قريش، فبلغني أن حكيم بن حزام خرج يومًا ومعه انسان يحمل طعامًا إلى عمته خديجة ابنة خويلد، وهي تحت رسول الله ﷺ، ومعه في الشعب، إذ لقيه أبو جهل فقال: تذهب بالطعام إلى بني هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك عند قريش، فقال له أبو البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد: تمنعه أن يرسل إلى عمته بطعام كان لها عنده، فأبى أبو جهل أن يدعه، فقام إليه أبو البختري بساق بعير فشجه ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريبًا يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم، فقال أبو البختري بن هاشم «١» في ذلك:
ذق يا أبا جهل لقيت غمًا كذلك الجهل يكون ذما
سوف ترى عودي إن ألما كذلك اللوم يعود ذما
تعلم أنا نفرج المهما ونمنع الأبلج «٢» أن يطما
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم إن الله ﷿ برحمته أرسل على صحيفة قريش التي كتبوا فيها تظاهرهم على بني هاشم، الأرضه، فلم تدع فيها اسم هو لله ﷿ إلا أكلته، وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان، فأخبر الله ﷿ بذلك رسول الله ﷺ، فأخبر أبا طالب، فقال أبو طالب: يا ابن أخي من حدثك هذا، وليس يدخل إلينا أحد ولا تخرج أنت إلى أحد، ولست في نفسي من أهل الكذب، فقال له رسول الله ﷺ أخبرني ربي هذا، فقال له عمه: إن ربك لحق، وأنا أشهد أنك صادق، فجمع أبو طالب رهطه ولم يخبرهم بما أخبره به رسول الله ﷺ كراهية أن يفشوا ذلك الخبر فيبلغ المشركين، فيحتالوا للصحيفة الخبث والمكر، فانطلق أبو طالب برهطه حتى
_________________
(١) حقطت «ابن هشام» من ع.
(٢) الأمر الأبلح: الأمر الواضح، وطمى: غطى.
[ ١ / ١٦١ ]
دخلوا المسجد، والمشركون من قريش في ظل الكعبة، فلما أبصروه تباشروا به، وظنوا أن الحصر والبلاء حملهم على أن يدفعوا إليهم رسول الله ﷺ فيقتلوه، فلما انتهى إليهم أبو طالب ورهطه رحبوا بهم وقالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم، وفي حياته فرقتكم وفسادكم! فقال أبو طالب: قد جئتكم في أمر لعله يكون فيه صلاح [٦٦] وجماعة فاقبلوا «١» ذلك منا، هلموا صحيفتكم التي فيها تظاهركم علينا، فجاءوا بها، ولا يشكون إلا أنهم «٢» سيدفعون رسول الله ﷺ إليهم إذا نشروها، فلما جاءوا بصحيفتهم قال أبو طالب: صحيفتكم بيني وبينكم، وإن ابن أخي قد خبرني- ولم يكذبني- أن الله ﷿ قد بعث على صحيفتكم الأرضة، فلم تدع لله فيها إسمًا إلا أكلته وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان، فإن كان كاذبا فلكم علي أن أدفعه إليكم تقتلونه، وإن كان صادقًا فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا؟ فأخذ عليهم المواثيق، وأخذوا عليه، فلما نشروها فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ، وكانوا هم بالغدر أولى منهم، واستبشر أبو طالب وأصحابه، وقالوا: أينا أولى بالسحر والقطيعة والبهتان؟
فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وهشام بن عمرو، أخو عامر بن لؤي بن حارثة، فقالوا: نحن براء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة، ولن نمالىء أحدًا في فساد أنفسنا وأشرافنا، وتتابع على ذلك ناس من أشراف قريش، فخرج أقوام من شعبهم وقد أصابهم الجهد الشديد «٣»، فقال أبو طالب في ذلك من أمر محمد ﷺ وما أرادوا من قتله:
_________________
(١) في ع: فاقبوا.
(٢) في ع: ولا يشركون إلا بهم.
(٣) يفهم القارىء أن الحصار قد انتهى بهذه الحادثة، لكن ابن اسحق يتابع الحديث موحيا بأن الحصار قد استمر، ومن فحص بقية الخبر يبدو أن هذه البقية تشكل متن رواية جديدة، وعلى هذا نرى بأن ابن اسحق كان يدمج الروايات.
[ ١ / ١٦٢ ]
تطاول ليلي بهم وصب ودمع كسح السقاء السرب
للعب قصي بأحلامها وهل يرجع الحلم بعد اللعب
ونفي قصي بني هاشم كنفي الطهاة لطاف الحطب
وقول لأحمد أنت امرء خلوف الحديث ضعيف النسب
وإن كان أحمد قد جاءهم بحق ولم يأتهم بالكذب
على أن أخوتنا وازروا بني هاشم وبني المطلب
هما أخوان كعظم اليمين أمر علينا كعقد الكرب
فيا لقصي ألم تخبروا بما قد مضى من شؤون العرب
فلا تمسكن بأيديكم بعد الأنوف بعجب الذنب
علام علام تلافيتم بأمر مزاح وحلم عزب
ورمتم بأحمد ما رمتم على الأصرات وقرب النسب
فأنى وما حج من راكب لكعبة مكة ذات الحجب [٦٧]
تنالون أحمدًا وتصطلوا طبات الرماح وحد القضب
وتغترفوا بين أبياتكم صدور العوالي وحبل «١» عصب
تراهن من بين صافي السبيب قصير الحزام طويل اللبب
وجرداء كالطير سمحوجة طواها المقانع بعد الحلب
عليها صناديد من هاشم هم الأنجبون مع المنتجب
وقال أبو طالب في شأن الصحيفة حين رأى قومه لا يتناهون وقد رأوا فيها العلم من العلم ما رأوا:
ألا من لهم آخر الليل منصب وشعب العصا من قومك المتشعب
وحرب أبينا من لؤي بن غالب متى ما تزاحمها الصحيفة تحرب
إذا ما مشير قام فيها بخطة الذؤابة ذنبًا وليس بمذنب
_________________
(١) في ع: حب.
[ ١ / ١٦٣ ]
وما ذنب من يدعو إلى البر والتقى ولم يستطع أن يا رب الشعب يأرب
وقد جربوا فيما مضى غب أمرهم وما عالم أمرًا كمن لم يجرب
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة متى ما يخبر غائب القوم يعجب
محى الله منها كفرهم وعقوقهم وما نقموا من باطل الحق معرب
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلًا ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب
وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقًا على سخط من قومنا غير معتب
فلا تحسبوا يا مسلمين محمدًا لذي عربة منا ولا متغرب
ستمنعه منا يد هاشمية مركبها في الناس خير مركب
فلما باداهم أبو طالب بالعداوة، وباداهم بالحرب، عدت قريش على من أسلم منهم فأوثقوه وآذوه واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة فيهم، وزلزلوا زلزالًا شديدًا. وعدت بنو جمح على عثمان بن مظعون، وفر أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم إلى أبي طالب ليمنعه، وكان خاله فجاءت بنو مخزوم ليأخذوه، فمنعهم، فقالوا: يا أبا طالب منعتنا ابن أخيك، أتمنع منا ابن أخينا؟! فقال أبو طالب: أمنع ابن اختي مما أمنع ابن أخي، فقال أبو لهب- ولم يتكلم بكلام خير قط، ليس يومئذ-: صدق أبو طالب لا يسلمه إليكم، فطمع فيه أبو طالب حين سمع منه ما سمع، ورجا نصره والقيام معه، فقال شعرًا استجلبه بذلك [٦٨]:
وإن امرءًا أبو عتيبة عمه لفي روضة من أن يسام المظالما
أقول له وأين مني نصيحتي «١» أبا معتب ثبت سوادك قائمًا
ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة تسب بها لما «٢» هبطت المواسما
وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى أخا الحرب يعطي الضيم إلا مسالما
_________________
(١) في ع: متى.
(٢) في حاشية الأصل: أيما، وفي ابن هشام- الروص: ٢/ ١٢١ «إما» .
[ ١ / ١٦٤ ]
وولي سبيل العجز غيرك منهم فإنك لن تلحق على العجز لازما
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم إنه قلم في نقض الصحيفة التي تكاتبت قريش على بني هاشم، وبني المطلب، نفر من قريش، ولم يبل أحد فيها بلاء أحسن بلاء «١» من هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن خزيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، وكان عمرو ونضلة أخوين لأم، وكان هشام لبني هاشم واصلًا، وكان ذا شرف في قومه، وكان فيما بلغني يأتي بني المغيرة وبني هاشم وبني المطلب في الشعب ليلًا، قد أوقر حملًا طعامًا، حتى إذا أقبله «٢» في الشعب حل خطامه من رأسه ثم ضرب جنبه، فدخل الشعب عليهم، ويأتي به قد أوقره برًا أو بزا «٣» فيفعل به مثل ذلك.
ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال لزهير: قد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، واخوانك حيث قد علمت لا يباعون ولا يباع «٤» منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، ولا يأمنون ولا يؤمن عليهم، أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدًا، قال: ويحك فما أصنع أنا رجل واحد؟! قال: فقال: قد وجدت ثانيًا، قال: ومن هو؟ قال: أنا أقوم معك فقال له زهير: أبغنا ثالثا؛ قال: وذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم قد رضيت أن تهلك بطن من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق عليه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها سراعا
_________________
(١) في ع: فيها بأحسن بلاء من.
(٢) في ع: أقبل به.
(٣) كذا في الأصل وعند ابن هشام ولعل الأصح أن يكون «تمرا» .
(٤) في ع: يبتاع.
[ ١ / ١٦٥ ]
ًمنكم، فقال: ويحك فما أصنع إنما أنا رجل واحد؟! فقال: قد وجدت ثانيًا، قال: فمن هو؟ قال أنا، قال: فابغنا ثالثًا، قال: قد فعلت، قال:
ومن هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: فابغنا رابعًا يتكلم معنا، قال:
فذهب إلى أبي البختري بن هشام فذكر قرابتهم وحقهم، فقال: هل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، المطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية، فقال: ابغنا خامسًا، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له زمعة: هل معك على هذا الأمر الذي تدعوني إليه [٦٩] من أحد؟ فقال: نعم ثم سمى له القوم، فتواعد عند خطم الجحون ليلًا بأعلى مكة، فاجتمعوا هناك وأجمعوا أمرهم، وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، فقال زهير: أنا أبدؤ فأكون أولكم.
فلما أصبحوا غدوا على أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية في حلة له فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونشرب الشراب، ونلبس الثياب، وبنو هاشم بنوا المطلب هلكى لا يباعون ولا يباع «١» منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة، فقال أبو جهل. كذبت والله- وهو في ناحية المسجد- لا تشق هذه الصحيفه، فقال زمعة ابن الأسود: بل أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حين كتبت، فقال أبو البختري: صدق زمعة بن الأسود، لا نرضى بما كتب فيها ولا نعرفه، فقال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله ﷿ منها ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو مثل ما قالوا في نقضها وردها، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل تشور فيه- يعني بغير هذا المكان- وأبو طالب جالس في ناحية المسجد يرى ما يصنع القوم، ثم إن المطعم بن عدي قام إلى الصحيفة فشقها فوجد
_________________
(١) في ع: يبتاع.
[ ١ / ١٦٦ ]
الأرضة قد أكلها «١» إلا بسمك اللهم وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار فشلت يده فيما يزعمون، والله أعلم.
فلما مزقت وبطل ما فيها قال أبو طالب في ذلك مما كان في أمر أولئك النفر في نقضها يمدحهم:
ألا هل أتى الأعداء رأفة ربنا على نأيهم والله بالناس أرود
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
تداعى لها إفك وسحر مجمع ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد
تداعى لها من ليس فيها بقربة فطائرها في وسطها يتردد
ألم تك حقًا وقعة صيلمية ليقطع «٢» فيها ساعد ومقلد
ويظعن أهل ماكثون فيهربوا فرائصهم من خشية الموت ترعد «٣»