نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وكان الذي تنتهي إليه عداوة رسول الله ﷺ، ويجتمع إليه فيها أبو جهل، حسدًا وبغيًا، لما خص الله به رسوله ﷺ من كرامته.
ثم أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاء به، وأن ينادي الناس بامره، وأن يدعو إلى الله تعالى، وكان ربما أخفى الشيء، واستسر به إلى أن أمر بإظهاره، فلبث سنين من مبعثه، ثم قال الله تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» «٢» . وقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ» «٣» .
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني من سمع عبد الله بن الحارث ابن نوفل واستكتمني اسمه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «قال رسول الله ﷺ: عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت عليها، فجاءني جبريل فقال:
يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك ربك تعالى عذبك ربك، قال علي: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمت عن ذلك حتى
_________________
(١) سورة الشعراء: ٢١٤.
(٢) سورة الحجر: ٩٤.
(٣) سورة الشعراء: ٢١٤. ٢١٦.
[ ١ / ١٤٥ ]
جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام؛ وأعد لنا عس لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب ففعلت، فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعون رجلًا أم ينقصون؛ فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة فأخذ منها رسول الله ﷺ حذية فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، ثم قال: كلوا باسم الله، فأكل القوم حتى نهلوا عنه، فما رؤي إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: اسقهم يا علي، فجئت بذلك القعب فشربوا حتى نهلوا جميعًا، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ إن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال:
لهد، «١» ما سحركم صاحبكم! فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم، ففعلت، ثم جمعهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم «٢» سقيتهم فشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وأيم الله إن الرجل منهم ليأكل مثلها، ويشرب مثله، ثم قال رسول الله ﷺ: (٥٥) يا بني عبد المطلب، والله ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة.