وَلم تَنْقَطِع الْعِنَايَة بالتأليف فِي السِّيرَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا. إِلَّا أَن الْمَوْضُوع فِي ذَاته لَيْسَ أمرا يقوم على التجارب، أَو فكرة يقيمها برهَان وينفضها برهَان، شَأْن النظريات العلمية الَّتِي نرى اتِّصَال الْعلمَاء بهَا اتِّصَال تَجْدِيد وتغيير على مرّ السنين، وَإِنَّمَا هُوَ أَمر عماده النَّقْل وَالرِّوَايَة.
فَكَانَ المشتغلون بِهِ أوّلا محدّثين ناقلين، ثمَّ رَأينَا من جَاءَ بعدهمْ جامعين مبوّبين، وَلما اسْتَوَى للمتأخرين مَا جمع المتقدمون، جَاءَ طور النَّقْد وَالتَّعْلِيق، كَمَا فعل ابْن هِشَام فِي سيرة ابْن إِسْحَاق.
فَكَانَ هَذَا التراث بَين أَيدي من جَاءَ بعدهمْ شَيْئا غير قَابل لجديد فِي جوهره، كلّ مجهود فِيهِ كَانَ فِي الشكل وَالصُّورَة لَا يمسّ الْجَوْهَر إِلَّا بِمِقْدَار. وَقد رَأينَا المؤلّفين فِيهِ على ضَرْبَيْنِ: فريق عَاشَ فِي ظلّ كتب الأوّلين، يَتَنَاوَلهَا بالشرح، أَو الِاخْتِصَار، أَو النّظم ليسهل حفظهَا. وفريق صبغ نَفسه بِصفة الْمُؤلف المبتدع،
[ مقدمة / ٦ ]
فَجمع بَين يَدَيْهِ كتب السِّيرَة، وَخرج مِنْهَا بِكِتَاب هُوَ فِي ظَاهره لَهُ، وَفِي حَقِيقَته أَنه لغير وَاحِد مِمَّن سَبَقُوهُ.
نذْكر من الْفَرِيق الثَّانِي ابْن فَارس [١] اللّغَوِيّ الْمُتَوفَّى بالريّ سنة ٣٩٥ هـ، وَمُحَمّد ابْن عليّ بن يُوسُف الشافعيّ الشَّامي الْمُتَوفَّى سنة ٦٠٠ هـ، وَابْن أَبى طىّ يحيى بن حميد الْمُتَوفَّى سنة ٦٣٠ هـ، وظهير الدَّين على بن مُحَمَّد كازروني الْمُتَوفَّى سنة ٦٩٤ هـ وعلاء الدَّين عليّ بن مُحَمَّد الخلاطى الْحَنَفِيّ الْمُتَوفَّى سنة ٧٠٨ هـ، وَابْن سيد النَّاس [٢] الْبَصْرِيّ الشافعيّ الْمَوْلُود سنة ٦٦١ هـ، والمتوفى سنة ٧٣٤ هـ، وشهاب الدَّين الرّعينى الغرناطي [٣] الْمُتَوفَّى سنة ٧٧٩ هـ، وَأَبا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عليّ بن جَابر الأندلسيّ [٤] الْمُتَوفَّى سنة ٧٨٠ هـ. ثمَّ مُحَمَّد بن يُوسُف الصَّالِحِي صَاحب السِّيرَة الشامية [٥] الْمُتَوفَّى سنة ٩٤٢ هـ، وعليّ بن برهَان الدَّين صَاحب السِّيرَة الحلبية [٦] الْمَوْلُود بِمصْر سنة ٩٧٥ هـ والمتوفى سنة ١٠٤٤ هـ، وَغير هَؤُلَاءِ نقتصر مِنْهُم على مَا أوردنا.
وَنَذْكُر من رجال الْفَرِيق الأوّل: السّهيليّ، وَأَبا ذرّ، وَكِلَاهُمَا شرح سيرة ابْن هِشَام، وقطب الدَّين عبد الْكَرِيم الجماعيلىّ [٧] الْمُتَوفَّى سنة ٧٣٥ هـ، الّذي شرح سيرة مُحَمَّد بن على بن يُوسُف، وقاسم بن قطلوبغا ملخص سيرة مغلطاى [٨]،
_________________
(١) بدار الْكتب المصرية نسختان مخطوطتان من سيرة ابْن فَارس برقمى ٤٦٠، ٤٩٤ تَارِيخ.
(٢) لِابْنِ سيد النَّاس كِتَابه «عُيُون الْأَثر، فِي فنون الْمَغَازِي وَالشَّمَائِل وَالسير»، وبدار الْكتب المصرية نسخ خطْبَة مِنْهُ.
(٣) لَهُ «رِسَالَة فِي السِّيرَة والمولد النَّبَوِيّ» بدار الْكتب المصرية مخطوطة (برقم ٤٩٤ مجاميع تَارِيخ)
(٤) كِتَابه يُسمى «رِسَالَة فِي السِّيرَة والمولد النَّبَوِيّ» ضمن مَجْمُوعَة مخطوطة بدار الْكتب المصرية مَعَ الرسَالَة الْمُتَقَدّمَة (برقم ٤٩٤ مجاميع تَارِيخ) .
(٥) وَاسْمهَا: «سبل الْهدى والرشاد، فِي سيرة خير الْعباد إِلَخ» . وَمِنْهَا بدار الْكتب المصرية نسختان مخطوطتان: إِحْدَاهمَا فِي أَرْبَعَة أَجزَاء. وَالْأُخْرَى مَوْجُود مِنْهَا جزءان فَقَط، وهما: الثَّالِث وَالْخَامِس.
(٦) وَاسْمهَا: «إِنْسَان الْعُيُون، فِي سيرة الْأمين الْمَأْمُون، ﵊» وَمِنْهَا بدار الْكتب أَكثر من نُسْخَة.
(٧) وسمى كِتَابه: «المورد العذب الهنى، فِي الْكَلَام على سيرة عبد الْغنى» .
(٨) هُوَ الْحَافِظ عَلَاء الدَّين مغلطاى الْمَوْلُود سنة ٦٨٩ هـ، والمتوفى فِي شعْبَان سنة ٧٦٢ هـ وَله فِي السِّيرَة والتاريخ كتاب «الْإِشَارَة إِلَى سيرة الْمُصْطَفى، وآثار من بعده من الْخُلَفَاء» انْتهى فِيهِ إِلَى نِهَايَة الْكَلَام على الدولة العباسية سنة ٦٥٦ هـ. وبدار الْكتب مِنْهُ أَكثر من نُسْخَة، كلهَا مخطوط.
[ مقدمة / ٧ ]
وَعز الدَّين ابْن عمر الْكِنَانِي، وَكَانَ لَهُ فِيهَا مُخْتَصر، ثمَّ أَبَا الْحسن عليّ بن عبد الله ابْن أَحْمد المَسْعُودِيّ الْمُتَوفَّى بِالْمَدِينَةِ سنة ٩١١ هـ.
وَمِمَّنْ نظم السِّيرَة وصاغها شعرًا عبد الْعَزِيز بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِسَعْد الديري الْمُتَوفَّى فِي حُدُود سنة ٦٠٧، هـ وَأَبُو الْحسن فتح بن مُوسَى القصري الْمُتَوفَّى سنة ٦٦٨ هـ. وَابْن الشَّهِيد الْمُتَوفَّى سنة ٧٩٣ هـ.