غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر -بفتح الهمزة والميم-
_________________
(١) غزوة غطفان: بفتح المعجمة، والطاء المهملة، قبيلة من مضر، أضيفت لها الغزوة؛ لأن بني ثعلبة الذين قصدهم من غطفان، "وهي" كما قال ابن إسحاق: "غزوة ذي أمر" أي: المسماة بهذا كالأول، فدفع توهم الواقف على العبارتين أنهما غزوتان، "بفتح الهمزة والميم" وشد الراء، موضع من ديار غطفان، قاله ابن الأثير وغيره. وقال ابن سعد: بناحية النخيل، وأفاد قول البكري في معجمه: أفعل من المرارة أنه ممنوع
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وسماها الحاكم غزوة أنمار. وهي بناحية نجد.
كان لثنتي عشرة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة.
وسببها: أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة، جمعهم دعثور.
ابن الحارث المحاربي، وسماه الخطيب: غورث،
_________________
(١) الصرف، "وسماها الحاكم غزوة أنمار"، فلها ثلاثة أسماء، "وهي بناحية نجد" عند واسط الذي بالبادية، كما في معجم البكري، "وكانت لثنتي عشرة مضت من" شهر "ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. كذا قاله ابن سعد، ولا ينتظم مع قوله: إن قتل كعب، كان لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع، وأنهم جاءوا برأسه تلك الليلة للنبي ﷺ بالمدينة، فإن ما هنا يقتضي أنه لم يكن تلك الليلة بالمدينة. نعم قال ابن إسحاق: أقام بنجد صفر كله، أو قريبا من ذلك، وجزم أبو عمر بأنه أقام صفر كله، وعليهما يصح كون السرية في التاريخ المذكور؛ إذ من لازم إقامته صفر بنجد، أن خروجه قبل ربيع، وعلى هذا يكون ابن سعد متبوع المصنف بني كلامه هنا على قول غير الذي مشى عليه في السرية، والعلماء إذا مشوا في محل على قول، وعلى غيره في آخر، لا يعد تناقضا، "وسببها" كما عند ابن سعد، "أن جمعا من بني ثعلبة" بن سعد بن قيس، بسكون العين، ابن ذبيان، بمعجمة، فموحدة، فتحتية، فألف فنون، ابن بغيض، بفتح الموحدة، وكسر المعجمة، وإسكان التحتية وضاد معجمة، ابن ريث، براء مفتوحة، وتحتية ساكنة ومثلثة، ابن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، "و" من بني "محارب" بضم الميم وحاء مهملة وراء، فموحدة، ابن خصفة، بمعجمة، فمهملة، ففاء مفتوحات، ابن قيس عيلان، بفتح العين المهملة، وسكون التحتية، فغطفان ومحارب ابنا عم، "تجمعوا، يريدون الإغارة" ولفظ ابن سعد: يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ، "جمعهم دعثور،" بضم الدال وسكون العين المهملتين، وضم المثلثة وإسكان الواو فراء. "ابن الحارث المحاربي" نسبة لمحارب المذكور، هكذا سماه ابن سعد ونسبه، "وسماه الخطيب غورث" بفتح المعجمة، وعن المستملي والحموي: إهمالها، لكن قال عياض الواب بمعجمة وإسكان الواو وفتح الراء ومثلثة، وبعضهم ضم أوله. قال القرطبي: والفتح أصح مأخوذ من الغرث وهو الجوع، وقال الخطابي: يقال له غويرث، أي: بمعجمة، أو عويرث، أي: بمهملة على التصغير، والصحيح بالغين المعجمة، انتهى.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وغيره: عورك -وكان شجاعا.
فندب رسول الله ﷺ المسلمين وخرج في أربعمائة وخمسين فارسا، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁. فلما سمعوا بمهبطه ﷺ هربوا في رءوس الجبال، فأصابوا رجلا منهم من بني ثعلبه يقال له: حبان، فأدخل
_________________
(١) "وغيره عورك" بكاف آخر بدل المثلثة مع إعجام أوله وإهماله، وظاهر كلام ابن بشكوال أن دعثورا غير غورث، وفي الإصابة قصة دعثور، تشبه قصة غورث المخرجة في الصحيح من حديث جابر، فيحتمل التعدد أو أحد الاسمين، لقب أن ثبت الإتحاد، انتهى. بل يمكن كما قال شيخنا: إن دعثورا يقال له غورث، وأحدهما اسم، والآخر لقب، غايته أنه شارك المذكور في الصحيح، في التسمية بغورث، "وكان شجاعا فندب،" أي: دعا "رسول الله ﷺ المسلمين" للخروج، أو حثهم عليه، "وخرج في أربعمائة وخمسين فارسا" أي: شجاعا أو تناوبوا ما معهم من الأفراس، فعدوا فرسانا فلا ينافي قول ابن سعد في أربعمائة وخمسين رجلا، ومعهم أفراس. قال البرهان: ولا أعلم عدتها، "واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁" ذا النورين أمير المؤمنين، "فلما سمعوا بمهبطه ﷺ" أي: المسلمون، لما كانوا بذي القصة كما في الرواية، بفتح القاف والصاد المهملة الثقيلة، وتاء تأنيث، موضع على أربعة وعشرين ميلا من المدينة، "رجلا منهم من بني ثعلبة" زاد في نسخة: كالعيون، "يقال له حبن" بكسر الحاء وبالموحدة، بالقلم، ولا أعلم له ترجمة في الصحابة، ولا التصريح بإسلامه، فينبغي أن يستدرك على من لم يذكره للتصريح، بأنه أسلم. كذا قاله البرهان بناء على هذا التصحيف الواقع من النساخ، والصواب ما في الشامية أنه جبار، بالجيم وشد الموحدة، وبعد الألف راء، فقد ذكره كذلك أبو بكر بن فتحون في ذيل الاستيعاب، وصاحب الإصابة كلاهما في حرف الجيم، فقالا: جبار الثعلبي أسره الصحابة في غزوة ذي أمر، فادخلوه على النبي ﷺ فدعاه إلى الإسلام فأسلم، ذكره الواقدي. زاد في الإصابة، وذكر، أي الواقدي، في موضع آخر أنه كان دليل النبي ﷺ إلى غطفان، فهربوا، انتهى. غلط بعض المتأخرين لما رأى كلامي البرهان والشامي، فحكاهما قولين في اسمه، وما درى أن الحافظ في التبصير استوفى حبان، بالمهملة والنون، وما ذكره فيهم، ولكن القوس في يد غير باريها، "فأدخل" أي: أدخله الصحابة بعد أن قالوا له: أين تريد؟، قال: يثرب لأرتاد
[ ٢ / ٣٨٠ ]
على رسول الله ﷺ فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وضمه إلى بلال.
وأصاب النبي ﷺ مطر فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع تحتهما، وهم ينظرون، فقالوا لدعثور: قد انفرد محمد فعليك به، فأقبل ومعه سيف حتى قام على رأسه ﵊ فقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال له النبي: "الله". فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام وأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. [المائدة: ١] .
_________________
(١) لنفسي وأنظر "على رسول الله ﷺ" فأخبره من خبرهم، وقال: لن يلاقوك، سمعوا بمسيرك هربوا في رءوس الجبال، وأنا سائر معك، "فدعاه إلى الإسلام، فأسلم" ﵁، "وضمه" النبي ﷺ "إلى بلال" ليعلمه الشرائع، "وأصاب النبي ﷺ" وأصحابه "مطر، فنزع ثوبيه، ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع تحتهما وهم،" أي: المشركون "ينظرون" إليه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنهم كانوا بمرأى منه، وقد اشتغل المسلمون في شئونهم، "فقالوا لدعثور:" لشجاعته "قد انفرد محمد فعليك به". وفي رواية: لما رآه قال: قتلني الله إن لم أقتل محمدا. "فأقبل ومعه سيف، حتى قام على رأسه ﵊، فقال: "من يمنعك مني اليوم؟ "." وفي رواية: الآن، "فقال له النبي ﷺ: "الله" يمنعني منك"، "فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده" بعد وقوعه على ظهره، "فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك"، وفي العيون، وأن محمدا "رسول الله". زاد ابن فتحون في الذيل: فأعطاه ﷺ سيفه، ثم أقبل بوجهه فقال: أما والله لأنت خير مني، فقال ﷺ: "أنا أحق بذلك منك"، "ثم أتى قومه"، فقالوا له: ما لك، ويلك، فقال: نظرت إلى رجل طويل أبيض، قد دفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأن محمدًا رسول الله لا أكثر عليه جمعا، "فدعاهم إلى الإسلام". قال في رواية الواقدي: فاهتدى به خلق كثير، "وأنزل الله تعالى" على ما ذكر الواقدي، وابن سعد في طائفة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] بالقتل والإهلاك، يقال: بسط إليه يده، إذا بطش، "الآية" وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: نزلت في بني النضير، وقيل: والمصطفى بعسفان، لما أراد المشركون الفتك بالمسلمين وهم في الصلاة، فأنزل الله صلاة الخوف.
[ ٢ / ٣٨١ ]
ويقال كان ذلك في ذات الرقاع.
ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
_________________
(١) قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصة، ثم تنزل في أخرى، لإذكار ما سبق، "ويقال كان ذلك،" أي: قصة السيف ونزول الآية، "في" غزوة "ذات الرقاع،" واستظهره اليعمري إذ قال: هناك الظاهر أن الخيرين واحد، لكن قال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان في غزوتين، نقله المصنف ثمة، وقال ابن كثير: إن كانت هذه القصة التي هنا محفوظة، فهي غيرها قطعا؛ لأن ذلك الرجل اسمه غورث، ولم يسلم، بل استمر على دينه، لكن عاهد النبي ﷺ أن لا يقاتله، انتهى. نعم، ذكر الذهبي أن غورث صاحب ذات الرقاع أسلم، وعزاه للبخاري وانتقده في الإصابة، بأنه ليس في البخاري تصريح بإسلامه، وباقتضائه الجزم، باتحاد القصتين مع احتمال التعدد، "ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا،" أي: حربا، "وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة" كما قال ابن سعد، وقيل: خمس عشرة ليلة، ومر قولان آخران، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٨٢ ]