بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذا لقاء من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، نعرج فيه كما جرت العادة على بعض الأبيات من بعض القصائد التي مدح فيها رسولنا ﷺ، وقبل أن نذكر قصيدة اليوم نزدلف إليها بحديث نبوي شريف، ذلك أن النبي ﷺ أجدبت المدينة في عهده فخرج ﷺ بأصحابه إلى المصلى واستسقى ربه، فنزل الغيث سريعًا عاجلًا كثيرًا، وتفرق الناس إلى منازلهم ودورهم يستكنون، فلما رأى النبي ﷺ نزول الغيث وإجابة الرب ﵎ لدعائه ومشهد الناس وهم ينتقلون إلى دورهم قال ﵊: (لو رأى أبو طالب ذلك لسره)، ففقه بعض الصحابة مراد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! كأنك تشير إلى قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقال ﷺ: نعم.
هذا البيت الذي استحضر أمام رسولنا ﷺ وذكر هو من قصيدة لامية قالها أبو طالب عم رسول الله ﷺ أيام حاصرت قريش بني هاشم في الشعب، ومعلوم أن بني هاشم حوصروا جميعًا في الشعب إلا اثنين: أبو لهب، وأبو سفيان بن الحارث وقد رفعناهما ها هنا؛ لأننا إنما ذكرناهما هنا من باب الحكاية.
فالذي يعنينا أن أبا طالب قال هناك قصيدته اللامية، وسنختار منها أبيات موجزة جدًا ثم نعرج عليها ونعلق على ما قام به أبو طالب مع رسولنا ﷺ، وما يمكن أن ننهل من معين السيرة في هذا الجانب.
قال أبو طالب في لاميته: خليليّ ما أذني لأول عاذل بصغواء في حق ولا عند باطل ولما رأيت القوم لا ود عندهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا عقوبة شر عاجل غير آجل بميزان قسط لا يغيض شعيرة له شاهد من نفسه حق عادل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل صلوات الله وسلامه عليه، فهو المقصود من بيت الأخير من قول أبي طالب.
سنتكلم الآن عن جانب السيرة فيها: لقد أيد الله جل وعلا نبيه بظهيرين أيام الدعوة في مرحلتها السرية، وبعد ذلك بقليل في أيام اشتداد أذى قريش عليها في مكة، نصير ظاهري كانت تمثله: خديجة ﵂ وأرضاها، ونصير ظاهري وكان يمثله: أبو طالب الذي مات على الكفر.
ونبدأ بالقضية من أولها: فالنبي ﵊ اسمه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وعبد مناف هذا ترك أربعة أبناء هم: عبد شمس، ونوفل، والمطلب -ليس عبد المطلب، فـ عبد المطلب هذا لقب وليس اسمًا- وهاشم فهؤلاء الأربعة إخوة، وأبوهم هو عبد مناف.
ومن هاشم كان نبينا ﷺ، فعندما نقول: بنو هاشم فإنما نعني أحد هؤلاء الأربعة، فالله جل وعلا اختار قريشًا من العرب، واختار هاشمًا من قريش، واختار نبينا ﷺ من بني هاشم، فهو ﵊ خيار من خيار.
إذًا فنبينا من بني هاشم، وبقي لـ هاشم من الإخوة؟ ثلاثة عبد شمس، ونوفل، والمطلب، فلما حصر بنو هاشم في شعب بني هاشم حاصرتهم قريش في الشعب كان بنو عبد شمس وبنو نوفل قد تآمروا مع قريش ضد بني هاشم، فأصبحوا غير موالين لأبناء أخيهم، وأما المطلب فقد انضموا إلى بني هاشم في الشعب، فأصبح الشعب يضم بني هاشم الذين منهم النبي ﷺ ويضم أبناء عمومتهم من بني المطلب.
وأما أبناء عمومتهم عبد شمس ونوفل فهؤلاء كانوا مع قريش ضدهم، لهذا قال أبو طالب في لاميته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا عقوبة شر عاجل غير آجل لأنه كان يتوقع ويتمنى أن يكونوا معهم لكنهم انقلبوا عليهم وكانوا مع قريش، لذلك لما جاء النبي ﷺ في يوم خيبر يقسم الغنائم جعل الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فاعترض بنو عبد شمس وبنو نوفل مثل: عثمان بن عفان وغيره وجبير بن مطعم.
فهؤلاء قدموا إلى النبي ﷺ يسألونه ويستفسرون كيف يعطي بني المطلب من الغنائم؟ وقالوا بلسان الحال والمقال: يا رسول الله! أما إنك أعطيت بني هاشم فهذا لا غضبة فيه؛ لأنك منهم، فنحن لا نعترض على أنك أعطيت بني هاشم؛ لأنك أنت هاشمي، لكن ما دمت قد أعطيت بني المطلب فكان ينبغي أن تعطينا؛ لأن المطلب أخ لـ نوفل وأخ لـ عبد شمس، فقال ﷺ: (إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام)، فيذكر ﷺ بموقف بني المطلب في الشعب، (فبنو المطلب وبنو هاشم كالشيء الواحد، وشبك ﷺ بين أصابعه) فإذا قلنا: آل البيت فإنهم لا يدخل فيهم بنو المطلب على الصحيح، وأما عند قسمة الغنائم فإنه يعطون منها، هذا مذهب الشافعي ﵀ وأكثر أهل العلم وهو الذي نختاره.
نعود الآن إلى قضية أبي طالب.
[ ٦ / ٢ ]