ثم قال: وأنت -أي: يا محمد- أحييت أجيالًا من الرمم أي: أن الله جل وعلا منّ على أمة الإسلام بأن أحياهم من الموتة الحقيقة وهي موتة الجهل وما كانوا عليه من شرك وظلم وسوء أخلاق، فأحياهم الله جل وعلا بهذا الدين العظيم الذي بعث به رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان ﷺ دعوة أبيه إبراهيم، فإبراهيم ﵊ لم يكن همه إلا أن يقيم أهله العبادة، فلما وضع هاجر وابنها في وادي مكة قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، ثم تمنى على الله أن يبعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكان نبينا ﷺ دعوة أبيه إبراهيم.
ثم قال في الحديث نفسه: (وبشارة أخي عيسى)، فعيسى كان يخبر أتباعه ويبشر برسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فلهذا حاول شوقي في هذا المعنى الكبير أن يقارن مقارنة ذات أدب؛ لأن البعض من الشعراء أو المادحين قد يتطرق لمدح النبي ﷺ لكنه يخطئ عندما يعقد مقارنة يحاول من غير فهم وإدراك أو بعاطفة تزيد عن الحد أن يقلل من شأن الأنبياء غيره، وهذا مسلك غير حميد، فحق لنا أن نمدح نبينا ﷺ بما هو وفق ضوابط الشرع، لكن لا يحق لنا أن نسيء الأدب مع أنبياء الله ورسله الآخرين، ولا داعي لأن أضرب أمثلة فيمن أخطئوا فيه في هذا الباب، فالمهم أن الإنسان يتأدب مع أنبياء الله ورسله، فالنبي ﷺ يقول: (أنا أول من يفيق فأجد موسى آخذًا بقوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعة الطور)، ويتأدب مع أخيه يوسف فيقول: (رحم الله أخي يوسف لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، ويقول متأدبًا مع أخيه لوط: (رحم الله أخي لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، ويقول ﷺ: (لا يقل أحدكم أنا أفضل من يونس بن متى)، وهذا الحديث اختلف الناس في معناه، لكن الصواب عندي -والعلم عند الله- أنه لا يأتي أحد يقرأ أن الله جل وعلا قد أخبر بما أخبر عنه من نبأ يونس بن متى فقال جل وعلا عنه: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فربما وقع من بعض الصالحين -ظنًا منهم- أنهم أفضل من يونس، فنبه النبي ﷺ على هذا الأمر.
[ ٨ / ٣ ]