ثم قال البارودي: وليس لي روضة ألهو بزهرتها ثم قال: إلا روضة الحرم، الروضة: اسم مكان، وقد أطلقها النبي ﷺ في الحديث الصحيح عندما قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، وفي حديث آخر قال: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، فلا يمكن حمل كلمة روضة هنا على أنها مجالس الذكر فقط؛ لأن هذا ينطبق على كل مكان، قال ﷺ: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)، ويمكن حمل ذلك -وهو الذي عليه أكثر العلماء- على أن هذه القطعة من المسجد النبوي إنما هي تكون يوم القيامة في الجنة، أو أنها مأخوذة الآن من الجنة.
وهنا قبل أن نشرع في تحديدها نذكر لطيفة قالها بعض أهل التفسير: الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨] أي: الجنة ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]، فأهل الجنة -رزقنا الله وإياكم دخولها- لا يبغون حولًا عن الجنة؛ لأنه لا يوجد بديل أفضل من الجنة، ويرزقهم الله القناعة التامة لذلك الموطن، وأهل المدنية اليوم وكل من يأتيها، وهذا أمر شائع ذائع بين الناس فيمن صفت نيته وخلصت سريرته أنهم لا يرغبون في النقلى عن المدينة ويشق عليه أن يغادرها، قال بعض أهل العلم: إن سبب ذلك الشيء المتواتر بين الناس أن في المدينة قطعة من الجنة وهي الروضة، فهناك بعض القاسم المشترك ما بين حال أهل الجنة وحال من يسكن المدينة لعموم قوله ﷺ: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.
والمنبر كان بينه وبين جدار الحرم مسافة مقدارها ممر شاة، ثم يوجد مكان كان النبي ﷺ يصلي فيه وهو المحراب النبوي، لكن المحراب النبوي لم يكن مبنيًا كما هو اليوم، وإنما هو موضع وقوفه ﷺ وهو يؤم الناس بالصلاة، فالمسجد النبوي اليوم فيه ثلاثة محاريب: المحراب الذي في جهة القبلة، وهو الذي يصلي فيه الأئمة المعاصرون اليوم، وهذا المحراب هو موضع إمامة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أي: أنه من التوسعة الجنوبية القبلية التي أحدثها عثمان ﵁ ونعم ما فعل في مسجد رسول الله ﷺ، فـ عثمان كانت توسعته للمسجد من جهة القبلة، واتخذ المحراب في وسط المسجد، فأقره الصحابة على فعله هذا وصلوا وراءه، وكون الصحابة ﵃ وأرضاهم يصلون وراء عثمان هذا إقرار وإجماع منهم على حسن صنيع عثمان، ثم في الروضة نفسها اليوم محراب مبني وهو موضع محراب رسول الله ﷺ، وفي جهة الغرب من الروضة خارج حدود الروضة الآن يوجد محراب، وهذا المحراب لا يتعلق به أمر تعبدي وإنما هو باق لأمور تاريخية، وهذا المحراب بناه أحد سلاطين آل عثمان في زمانه، ومكتوب على المحراب تاريخ بناءه.
فهذا المحراب بناه أحد سلاطين آل عثمان أيام كان الحجاز تحت ولاية دولة آل عثمان، وأما الحراب النبوي فبدهي أن نقول: إن النبي ﷺ كان يصلي بالناس إمامًا فيه، فهذه هي المحاريب الثلاثة، وأما الروضة فإن النبي ﷺ يقول: (ما بين بيتي ومنبري)، وكلمة بيت: عامة لكن رواية (قبري) خاصة، فنحتاج إلى التوفيق بين الروايتين وهذا أمر لا بد أن نعمد إليه؛ لأننا إذا جعلنا رواية (بيتي) هي الحاكمة فالأمر يختلف، وإن جعلنا رواية (قبري) خاصة معلمة لقوله ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري) فالأمر يختلف في تحديد الروضة، وتحديد الروضة إنما يفهم جليًا إذا استطعنا أن نحرر العام والخاص بين قوله ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري) وقوله: (ما بين قبري ومنبري)، وهذا ما سيتضح إن شاء الله تعالى لنا بعد قليل في بيان تحديد الروضة، وإن كان الذي عليه العمل الآن عمل قول الجمهور، وهو الذي تعارف عليه الناس منذ قديم الزمان.
لا خلاف أن المنبر حد، فإن جعلنا رواية (قبري) مخصصة لعموم قوله ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري) عرفنا بعد ذلك أن بيت عائشة هو المقصود؛ لأن النبي ﷺ كان قبره في بيت عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاها إذا جعلنا رواية قبري مخصصة لحديث بيتي فعرفنا أن الحدود من المنبر إلى القبر، وهذا قول مالك ﵀ وعليه عمل الناس اليوم، فالحدود الموجودة الآن في المسجد النبوي الشريف الذي تحدد الروضة وتميز فرشها عن بقية المسجد هو المعمول به على هذه الرواية على أن المقصود: رواية (قبري) مخصصة لرواية (بيتي)، فيصبح المقصود بيت عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاها؛ لأن بيت عائشة هو الذي احتوى الجسد الشريف الطاهر.
وإذا أطلقنا رواية (بيتي) فلا يخصص بيت عائشة دون غيرها من أمهات المؤمنين، فنجد أن لـ صفية ﵂ وأرضاها بيتًا في الجهة الغربية من المسجد عند خوخة أبي بكر اليوم بجوار باب الرحمة، وهذا في الجهة الغربية من المسجد، لأن حجرة عائشة في الشرق من المسجد، وعلى هذا تصبح المسافة أكبر بكثير مما هي عليه اليوم، فتصبح حجرة حفصة في الشمال الغربي وحجرة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها في الجنوب الغربي، والمنبر هذا المثلث يكون الروضة، وهو لا يمكن أن يكون مثلثًا بطريقة ظاهرة لكنه أشبه بالمعين في ما يقول أهل الرياضيات، والذي يعنينا الآن أن الروضة الشريفة صلى فيها النبي ﷺ وفيها اسطوانات، ومكانها باقٍ إلى اليوم، فخلفاء المسلمين وملوكهم وسلاطينهم عبر الدهور إلى هذه الدولة المباركة -أيدها الله بنصره- يحافظون على الأسطوانة نفسها، فقد يتغير البناء لكن الموقع هو هو.
ومكتون على كل اسطوانة: ما تعارف الناس عبر التاريخ عليه كاسطوانة التوبة التي تاب عندها الصحابي أبو لبابة رضي الله تعالى عنه، واسطوانة الوفود التي كان النبي ﷺ يقابل عندها الوفود إلى غير ذلك من الاسطوانات.
والذي يعنينا هنا: أنه كان في أيام النبي ﷺ وأبي بكر وعمر يمكن الجمع بين فضيلتين: فضيلة الصلاة بالصف الأول، وفضيلة الصلاة في الروضة، وأما بعد ولاية عثمان ﵁ وأرضاه وتوسعة المسجد إلى الجنوب فإنه لا يمكن للمرء أن يصلي بالصف الأول، وفي ذات الوقت يصلي في الروضة لبعد المسافة؛ لأن الصف الأول الآن ليس في الروضة، فعندما نصلي فرضًا نتقدم للصلاة في الصف الأول، ونحرص على فضيلة الصف الأول، وإما إذا جئنا نصلي نفلًا إذا دخلنا المسجد في أي ساعة من ليل أو نهار، فإننا نصلي في الروضة ما اسطعنا؛ لأن قول النبي ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) هذا فيه بيان لفضل الروضة عن غيرها من المسجد، وإن كان النبي ﷺ لم يحدد ذلك الفضل ولم يذكر الجزاء المعين عليه.
وكان للمدينة إمام يصلي التراويح وهو شيخنا الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله تعالى، وقد ظل إمامًا للمسجد النبوي خمسة وأربعين عامًا رحمة الله تعالى عليه، وهذا الرجل المبارك لم يكن يأخذ أجرًا على إمامته فكان يقول: أنا إلى الأجر أحوج مني إلى الأجرة، والذي يناسب ذكره في الحديث عن الشيخ ابن صالح في هذه القضية أن الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله تعالى عليه كان يصلي في صلاة التهجد في رمضان في محراب النبي ﷺ إمامًا، فيمكن حينها لمن عاصر الشيخ أن يصلي بالصف الأول وبالروضة، فيجمع ما بين الفضيلتين: الصلاة في الصف الأول، والصلاة في الروضة.
وقد من الله جل وعلا على كثير ممن عاصر الشيخ من تحقيق هذا الأمر، هذا الآن لا يعمل به لازدحام الناس فيما يبدو فيصلي الإمام التراويح والتهجد والفروض الخمس كلها في محراب عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وبقي أن نقول: إن هذه الروضة المباركة شهدت تعليم النبي ﷺ، فالأصل في مقام التعليم للعظات والوصايا المحمدية أنها كانت تنطلق من روضته ﷺ في مسجده، والروضة على وجه الأخص هي مجمع أصحاب محمد ﷺ.
[ ٩ / ٤ ]