هناك مخاوف نحذرها لا يدفعها إلا الله، وهناك رغبات وأماني وآمال نطلبها لا يحققها إلا الله، فكلما خلصت نية العبد وصفت سريرته وازدلف إلى ربه وأظهر لله فقره في السجود وفي غيره نال ما عند الله جل وعلا من العطايا، والرب ﵎ أرحم بنا من أنفسنا، فقد لا يستجاب لنا في أمر أعظم في أنفسنا، وقد يعجل لنا الثواب، وقد يؤخر، لكن ينبغي عليك أن تكون حسن الظن بربك جل وعلا، وأن تعلم حقيقة علمها الله نبيه وهي: أن خيرة الرب لعبده خير من خيرة العبد لنفسه، وسأضرب لك مثلًا من القرآن يدل على هذا المعنى أختم به هذه اللقاء.
فموسى ﵊ خرج من أرض مصر يتبعه فرعون وجنده، فلما وصل موسى إلى شاطئ البحر قال بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر، فورد أنه قال: باسم الله، انفلق أبا خالد، وهي كنية البحر، فانفلق البحر، وأيًا كان الأمر سواء قالها موسى أو لم يقل فقد انفلق البحر، ولما انفلق البحر أصبح البحر اثني عشر طريقًا يبسًا، فمشى موسى والمؤمنون الذين معه وتجاوزوا إلى الشق الآخر، فلما وصل موسى إلى الشق الآخر كان فرعون داهية بمعنى الكلمة، فلم يأمر فرعون جنده أن يعبروا البحر، بل توقف ينتظر ماذا سيحل بموسى، لكن لا يمكن أن يرقى مكر فرعون إلى مكر الله؛ ففرعون منع جنده أن يعبروا البحر فوقف ينظر ما الذي سيحل بموسى، وموسى ﵇ نجا هو المؤمنون جميعًا إلى الشق الآخر، فلما وصلوا إلى الشق الآخر أراد موسى ألا يصل إليه فرعون، فبدهي من موسى أن يضرب البحر بعصاه حتى يعود بحرًا فيمتنع فرعون، فينجو موسى ويعود فرعون، فهذا اختيار العبد الكليم موسى بن عمران، لكن الله قال لموسى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤]، أي: اتركه ساكنًا، أي: أنت لا علاقة لك بالموضوع، فلم يقدر موسى أن يضرب البحر؛ لأن الله نهاه، فبقي البحر يبسًا كما هو، فاقتنع فرعون أن البحر سيبقى يبسًا أبد الآبدين، فهنا اطمأن فرعون فعبر، فلما عبر واكتمل جنده في البحر أمر الله البحر أن يعود بحرًا فعاد بحرًا، فأغرق فرعون وجنده ونجا موسى، فكانت خيرة موسى أن ينجو وأن يعود فرعون، وكان قدر الله أن ينجو موسى ويغرق فرعون، فتعلم بذلك أن خيرة الرب لعبده خير من خيرة العبد لنفسه.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول الجزء الأول من ميمية الدكتور ناصر الزهراني في مدح سيد الخلق محمد بن عبد الله، ﷺ.
أسأل الله لي ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين.
[ ١٠ / ٧ ]