إذا تحرر هذا كله ينبغي للمؤمن أن يكون حصيفًا عاقلًا، وأن يعلم أن من نراه من كثير ممن يدعي السحر والشعوذة والكهانة أنهم لا يملكون من الأمر شيئًا، وأنهم ولو قالوا: إنهم لهم اختلاط وصلة بالجن فلا يمكن أن يعلم الغيب أحد إلا الله، قال الله جل وعلا عن سليمان وموته: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، فهذا نص قاطع على أن الغيب لا يعلمه أحد إلا الرب ﵎، وإنما يعلم المرء بمقدار ما علمه الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، فعلى العاقل أن يزن الأمور بميزان صحيح وأن يتريث في قوله، وأن يعلم أن الله جل وعلا وحده من وسع كل شيء رحمة وعلمًا، فربنا ﵎ يعلم ما قد كان، ويعلم ما يكون، ويعلم جل وعلا ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا كله من قرائن عظمته ودلائل ملكه جل وعلا، أما نحن معشر البشر فلا نعلم إلا ما علمنا الله، قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥].
علمني الله وإياكم ما ينفعنا، ونفعنا بما علمنا.
كان هذا تعليقًا وتحريرًا على قول الأعشى: نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا وصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه، والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٦ ]