(فصل) ولما تخلص رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه من اذى المشركين بمكة وصاروا بالمدينة وقعوا في محنة أخرى من اليهود ومنافقى الانصار بالشنآن والبغض والمقت والغيبة والسم والسحر والغوائل لكن من غير مجاهرة ولا مكابرة تتميما لامتحانهم ووفورا لاجورهم وتحقيقا لقوله تعالى وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا فكانت الغلبة لهم وكان أعداؤهم مكبوتين مقهورين يرون طوقت هذا الطوق ولا ينفك عنها (ضنا) بكسر الضاد أي شحا بك ان نفارقك ويختص بك غيرنا
(فصل) (ولما تخلص رسول الله وأصحابه من أذى المشركين بمكة) أي ما وقع لهم من المعاداة والمناواة لاظهار دين الله ودين رسوله قبل الهجرة الى الفتح (في محنة أخرى) بكسر الميم واحدة المحن وهي ما يمتحن به الانسان من البلايا (الشنآن) بالشين المعجمة والمد مهموز والنون تفتح وتسكن من شنأه اذا أبغضه (والمقت) البغض أيضا (السم) الاسم منه مثلث السين معروف وقد سم ﷺ وسيحكى المؤلف ذلك وما لاقاه من سمهم له ﷺ وسحرهم إياه (الغوائل) الدواهى (من غير مجاهرة) أى كانوا يأتون ذلك سرا مبطنين ذلك غير مجاهرين به (مكبوتين) من كبته اذا أخزاه وصرفه فانه ﷺ كان في كنف الله وحفظه بدليل قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فكان اليهود ومنافقو المدينة مخزيين في جميع ما ناووه فيه وكادوه به. ويجمل ان نذكر هنا أسماء أعدائه من رؤساء اليهود ومن انضاف اليهم من رجال الاوس والخزرج على ما حكاه ابن هشام عن ابن اسحاق قال ابن اسحق ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله ﷺ العداوة بغيا وحسدا وضغنا لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم وأضاف اليهم رجال من الاوس والخزرج ممن كان عسى على جاهليته فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث الا أن الاسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه فظهروا بالاسلام واتخذوه جنة من القتل ونافقوا في السر وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبي ﷺ وجحودهم الاسلام وكانت أحبار يهودهم الذين يسئلون رسول الله ﷺ ويتعنتونه ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسئلونه غنه الا قليلا من المسائل في الحلال والحرام وكان المسلمون يسئلون عنها منهم حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر
[ ١ / ١٦٣ ]
في طى الايام والليالى أنواع المكاره من ارتفاع شأن الاسلام والمسلمين وتجدد فتوحهم وعلو كلمتهم وظهور دينهم فمن ذلك قول عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين وقد رد عليه بعض قومه بعض الاذى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ورأى منهم ما يكره فقال شعرا: ابن أخطب وجدى بن أخطب وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع الاعور وهو الذي قتله أصحاب رسول الله ﷺ بخيبر والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وعمرو بن جحاش وكعب بن الاشرف وهو من طيء ثم أحد بنى نبهان وأمه من بني النضير والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الاشرف وكردم بن قيس حليف كعب بن الاشرف فهؤلاء من بنى النضير* ومن بني ثعلبة بن الفطيون عبد الله بن صوريا الاعور ولم يكن بالحجاز في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه وابن صلوبا ومخيريق وكان حبرهم* ومن بنى قينقاع زيد بن اللصيت ويقال ابن اللصيت فيما قال ابن هشام وسعد بن حنيف ومحمود بن سيحان وعزيز بن أبي عزيز وعبد الله بن صيف (قال ابن هشام) ويقال ابن ضيف* قال ابن اسحق وسويد بن الحرث ورفاعة بن قيس وفنحاص وأشيع ونعمان بن أضا وبحري ابن عمرو وشاس بن عدي وشاس بن قيس وزيد بن الحرث ونعمان بن عمرو وسكين بن أبي سكين وعدى ابن زيد ونعمان بن أبى أوفي أبو أنس ومحمود بن دحية ومالك بن الصيف (قال ابن هشام) ويقال ابن الضيف* قال ابن اسحق وكعب بن راشد وعازر ورافع بن أبي رافع وخالد وأزار بن أبي أزار (قال ابن هشام) ويقال آزر بن آزر* قال ابن اسحق ورافع بن حارثة ورافع بن حريملة ورافع بن خارجة ومالك بن عوف ورفاعة بن زيد بن التابوت وعبد الله بن سلام بن الحرث وكان حبرهم وأعلمهم وكان اسمه الحصين فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله فهؤلاء من بنى قينقاع* ومن بني قريظة الزبير بن باطا بن وهب وعزال بن سموأل وكعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذى نقض عام الاحزاب وسمويل بن زيد وجبل بن عمرو بن سكينة والنحام بن زيد وقردم بن كعب ووهب بن زيد ونافع بن أبى نافع وأبو نافع وعدي بن زيد والحرث بن عوف وكردم بن زيد واسامة ابن حبيب ورافع بن زميلة وجبل بن أبى قشير ووهب بن يهوذا فهؤلاء من بني قريظة* ومن يهود بنى زريق لبيد بن أعصم وهو الذى أخذ رسول الله ﷺ عن نسائه* ومن يهود بنى حارثة كنانة بن صوريا* ومن يهود بنى عمرو بن عوف قردم بن عمرو* ومن يهود بني النجار سلسلة بن برهام فهؤلاء أحبار اليهود وأهل العداوة لرسول الله ﷺ وأصحابه وأصحاب المسئلة والنصب لامر الاسلام الشرور ليطفؤه الا ما كان من عبد الله بن سلام ومخبريق (وقد رد عليه بعض قومه) هو عبد الله بن رواحة ﵁ وهو ان رسول الله ﷺ جاءه ذات يوم وهو في قومه والنبي ﷺ على حمار فقال اليك عني والله لقد آذانى نتن حمارك فقال عبد الله بن رواحة والله لنتن حمار رسول الله ﵌ أطيب ريحا منك (ورأى منهم
[ ١ / ١٦٤ ]
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل تذل ويصرعك الذى لا تضارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه وان جز يوما ريشه فهو واقع
وقال سعد بن عبادة وقد شكى اليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوما بعض أذاه فقال يا رسول الله اعف عنه واصفح فو الذى أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذى أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة فلما أتى الله بالحق الذى أعطاك الله شرق بذلك فلذلك فعل به ما رأيت ولما غزا رسول الله ﵌ بدرا وأظفره الله قال ابن أبىّ ومن معه من المشركين هذا أمر قد توجه فاسلموا ظاهرا وبقى ناس على النفاق حتى ماتوا منهم عبد الله بن أبى.