«فصل» واعلم انه ما قبل الله اسلام أحد بعد هجرة النبى ﵌ الا بالهجرة واللحوق به وعاب على من أمكنه ذلك ولم يهاجر وأوعد عليه الوعيد العظيم فقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية ثم استثنى وعذر من لم يمكنه فقال إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قال ابن عباس ﵄ كنت انا وأمى من المستضعفين وكان النبي ﵌ يدعو لهؤلاء فى قنوته فيقول اللهم انج عياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام اللهم انج المستضعفين من المؤمنين ولما فتحت مكة وصارت دار اسلام نسخت الهجرة الى المدينة فقال ﵌ لا هجرة بعد الفتح وأما حكم الهجرة من غير مكة فقد قدمنا ذكره وما يتعلق به عند ذكر هجرة الحبشة ثم بعد الفتح لم يرخص النبي ﵌ لاحد من مهاجرة مكة في الرجوع اليها للاستيطان بل كره لغيرهم من مهاجرة الآفاق الرجوع الى أوطانهم وقال اللهم امض لاصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم وشكى ورثي لمن مات منهم بمكة كسعد بن خولة ورخص لهم في حجهم وعمرتهم في إفاضة ثلاثة أيام بعد قضاء نسكهم وبهذا استدرك أصحابنا ان المسافر اذا نوى ببلد إقامة ثلاثة أيام غير يومى دخوله وخروجه لا يعد مقيما ولا ينقطع ترخصه في القصر وغيره ولم يطيب لهم أيضا الرجوع في دورهم التى اغتصبها المشركون وباعوها بعد مخرجهم حتى قال له أسامة عام الفتح يا رسول الله أين ننزل غدا انشاء الله تعالى قال وهل ترك لنا عقيل من منزل وكان عقيل تخلف عنهم في الاسلام والهجرة وباع دورهم فلم يرجع النبى ﵌ في شيء منها* وروى انه لما هاجر بنو جحش بأجمعهم باع أبو سفيان دارهم فذكر ذلك عبد الله بن جحش للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أما ترضى أن يعطيك الله
[ ١ / ١٦١ ]
بها دارا خيرا منها في الجنة قال بلى قال فذلك لك ثم كلمه فيها ابو أحمد بن جحش عام الفتح فلم يرد عليه شيئا فقال الناس له ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يكره لكم ان ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقال
أبلغ أبا سفيان عن أمر عواقبه ندامه
دار ابن عمك بعتها تقضي بها عنك الغرامه
وحليفكم بالله رب ال ناس مجتهد القسامه
اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامه
ولما دخل صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مكة عام الفتح عنوة ورفع عن قريش القتل وقد كانت الانصار ظنوا انه مستأصلهم قتلا لسالف اساءتهم فتوهموا رجوعه مكة واستيطانها فأخذهم من الغيرة (أبو أحمد بن جحش) الاسدي أخو أم المؤمنين زينب بنت جحش تقدم شىء من ذكره في ترجمة أخيه وان اسمه عبد بن جحش بغير اضافة كان من السابقين الاولين وقيل انه ممن هاجر الي الحبشة وأنكر البلاذري هجرته الى الحبشة. قال ابن اسحاق كان أبو أحمد ضريرا يطوف بمكة أعلاها وأسفلها بغير قائد وفي ذلك يقول
حبذا مكة من واد بها أهلى وعوادي
بها ترسخ أوتادي بها أمشى بلا هاد
اختلف في موته فجزم ابن الاثير بانه مات بعد أخته زينب قال ابن حجر وفيه نظر وحكى ما يؤيد خلافه وحكي المرزباني في معجم الشعراء عنه انه أنشد النبي ﵌
لقد حلفت على الصفا أم أحمد ومروة بالله وبرّت يمينها
لنحن الألى كنابها ثم لم نزل بمكة حتى كاد عنا سمينها
الى الله نعود بين مثني وموحد ودين رسول الله والحق دينها
(أبلغ أبا سفيان) هذه كنيته بهااشتهر واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس والد معاوية ويكني أيضا أبا حنظلة (الغرامة) الدين والغريم الذى عليه الدين قال كثير:
قضى كل ذى دين فوفي غريمه وعزة ممطول معنى غريمها
(القسامة) بالفتح مصدر قسم الشئ فانقسم وبالكسر الحظ والنصيب والاسم منه القسمة وهي مؤنثة والقسم بفتحتين اليمين وهو المراد هنا (وطوق الحمامة) الطوق وأحد الاطواق معروف وطوقته فتطوق أى ألبسته الطوق والمطوقة الحمامة التى في عنقها الطوق وذلك ما يكون شبه الطوق في عنقها مخالفا للونها وهذا مثل فقوله طوقتها طوق الحمامة يعني البست هذه الغرامة وستوفيها ولا محالة كما ان الحمامة
[ ١ / ١٦٢ ]
والوجد ما يأخذ مثلهم على مثله وقالوا أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته فأخبره جبريل بمقالتهم وحين قررهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بذلك اعترفوا فقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كلا انى عبد الله ورسوله وفي رواية قال ألا فما اسمي اذا ثلاث مرات أنا محمد عبد الله ورسوله هاجرت الى الله واليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم قالوا والله ما قلنا إلا ضنا بالله وبرسوله قال فان الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم رواه مسلم.