الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين، سيّدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، الذين عزروه ونصروه، وعظموه ووقروه، وكانوا رسل خير ومشاعل نور وهداية للناس أجمعين … وبعد:
فإن كتاب «الشمائل» ويقال له: «الشمائل المحمدية»، للإمام الحافظ الكبير صاحب التصانيف: أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذي، (٢٠٩ هـ - ٢٧٩ هـ)، يعد من أعظم كتب الشمائل وأجمعها وأجودها، كما قال العلامة علي القاري ﵀: «إن مُطالع هذا الكتاب كأنه يطالع طَلعة ذلك الجناب (^١)، ويرى محاسنه الشريفة في كل باب» (^٢).
لذلك فقد لقي هذا الكتاب عناية عظيمة من قبل أهل العلم وطلبته عبر القرون، قراءة وضبطًا، ودراسة وحفظًا، وتصدى لشرحه غير واحد، ووضعوا عليه شروحًا وحواشي مطولة ومختصرة (^٣).
_________________
(١) يقصد: جناب النبي -ﷺ-.
(٢) «جمع الوسائل» للقاري ١/ ٢.
(٣) من أشهر الشروح التي وضعها العلماء على شمائل الترمذي: شرح العلامة أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي المكي (ت: ٩٧٤ هـ)، المسمى: «أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل»، كما شرحه العلامة ملا علي القاري الهروي (ت: ١٠١٤ هـ)، في شرح حافل سماه: «جمع الوسائل في شرح الشمائل»، كذلك كتب عليه حاشية حافلة العلامة إبراهيم بن محمد الباجوري (ت: ١٢٧٧ هـ) سماها: «المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية»، كما اختصره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتاب سماه: «مختصر الشمائل المحمدية»، وينظر بقية شروحه في «كشف الظنون» ٢/ ١٠٥٩ لحاجي خليفة.
[ ٥ ]
وقد أحببت أن أدخل في زمرة خَدَمَة هذا الكتاب، فوضعت عليه شرحًا متوسطًا، منتخبًا من شروحه المتقدمة وبقية شروح كتب السُنَّة، مع محاولة عرضه بطريقة جديدة، تناسب أساليب الكتابة وأذواق القراء في العصر الحديث، متجافيًا عن كثير من المباحث التي كان يشتغل بها الشراح القدماء، كالإغراق في التفصيلات المذهبية أو مسائل العربية، وبيان أوجه الإعراب والنحو والدلالات البلاغية ونحو ذلك، مما هو أجنبي عن فقه الأحاديث وما تحمله من فوائد وآداب. كما قال العلامة المناوي ﵀: «إنما الشأن في معرفة مقصوده -ﷺ-، وبيان ما تضمنه كلامه من الحِكَم والأسرار، بيانًا تعضده أصول الشريعة، وتشهد بصحته العقول السليمة. وما سوى ذلك ليس من الشرح في شيء» (^١).
ولأن الإمام الترمذي ﵀ قد أطال الكتاب بذكر أحاديث متحدة الألفاظ، أو ذات دلالة واحدة في الباب، فقد رأيت اختصاره أولًا قبل شرحه على النحو التالي:
١ - حذفت أسانيد الإمام الترمذي مع الإبقاء على راوي الحديث، من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
٢ - حذفت جميع الأحاديث الضعيفة في الكتاب، ولم أشرح إلا ما كان منها في دائرة القبول، حسب أحكام أهل العلم المعتبرين في الحديث.
٣ - حذفت الأحاديث المكررة المعنى، واقتصرت على أقواها وأتمها، وكثيرًا ما أشير إلى بقيتها أثناء الشرح كشواهد تقوي الحديث وتزيده ثبوتًا.
_________________
(١) «فيض القدير» ١/ ٢.
[ ٦ ]
٤ - حذفت الأحاديث التي ليس لها علاقة وثيقة بترجمة الباب، وأبقيت ما كان له صلة وثيقة وواضحة به.
٥ - أبقيت عناوين تراجم الأبواب كما وضعها الإمام الترمذي، لم أغيّر منها شيئًا، مع التزام طريقة ترتيبه وسرده للأحاديث والأبواب.
وقد خلص لي من أحاديث الكتاب بعد اختصاره «تسعون حديثًا» من أصل أربع مئة هي عدد أحاديث الكتاب كله.
وهذا يعني أنني قد يسرت كتاب الشمائل، واختصرته في أقل من ربعه بقليل.
ثم إنني شرعت بعد ذلك في شرح الأحاديث، فعرَّفت برواتها من الصحابة الكرام باختصار، وخرجتها من مصادرها الأصلية (^١) مع الالتزام ببيان درجة كل حديث، من حيث الصحة أو الضعف، ثم شرحت معانيها، وأبنت عما تشتمل عليه من دلالات فقهية، وأحكام شرعية وآداب مرعية، وهذا هو مقصود الشرح ولبّه وجوهره.
وقد بذلت في سبيل ذلك جهدي وتفكيري وتأملي، ولم أكن مجرد ناقل أو ناسخ من كتب الشروح والحواشي المتقدمة.