ذكر الإمام الترمذي تحت هذا الباب جملة من الأحاديث الشريفة المتعلقة بصورة النبي -ﷺ- الظاهرة، وصفاته البدنية الباهرة، وطلعته البهية، ومحياه الوضاء. وما من شك في أن الله ﵎ قد حبا نبيه -ﷺ- من حسن الصورة وكمال الخِلقة وجمال الهيئة وبهاء الطلعة ما سوف يأتي بيانه والحديث عنه إن شاء الله.
١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قال: «كَانَ رسول الله -ﷺ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ وَلَا بِالقَصِيرِ، وَلَا بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ وَلَا بِالآدَمِ، وَلَا بِالجَعْدِ القَطَطِ وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك هو: ابن النضر بن ضمضم النَّجاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله -ﷺ- وخادمه منذ أن قدم -ﷺ- إلى المدينة مهاجرًا إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، وهو من المكثرين من رواية الحديث، وفضائله كثيرة،
[ ١١ ]
وقد توفي سنة: ٩٣ هـ، وهو المراد عند الإطلاق، وإن كان هناك جماعة من الصحابة يسمى كل منهم أنسًا.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (^١)، والترمذي في سننه (^٢) وقال: حديث حسن صحيح.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(الطويل البائن): الظاهر الطول أو المفرط في الطول.
(الأبيض الأمهق): الشديد البياض.
(الآدم): الأسمر، وهي منزلة بين البياض والسواد.
(الجعد القطط): الشعر يكون فيه التواء وانقباض.
(السَّبِط): بفتح فكسر: الشعر الناعم المسترسل.
* الوجه الرابع: ذكر أنس -﵁- في هذا الحديث بعض الصفات الجسدية للنبي -ﷺ-، وليعلم قبل الخوض في شرح الحديث أن الله ﷿ قد ركب خلقة نبيه محمد -ﷺ- في أجمل صورة وأحسن هيئة، فكان كما وصفه الصحابة: بهيّ الطلعة، حسن الخِلْقة، متناسب الأعضاء، لم تر العيون شيئًا أجمل ولا أحسن منه، لا قبله ولا بعد.
وقد ذكر أنس -﵁- في هذا الحديث بعض صفاته الجسدية -ﷺ- ومن جملتها أنه «لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير»، أي أنه كان متوسط القامة،
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٥٤٨).
(٢) «سنن الترمذي» (٣٦٢٣).
[ ١٢ ]
لم يكن طويلًا شديد الطول، كما أنه لم يكن قصيرًا، وإنما بين هذا وهذا.
لكنه ﵊ كان إلى الطول أقرب وأميل، بدليل أن أنسًا لم ينف عنه أصل الطول، وإنما نفى عنه الطول الزائد، وهذا ما وقع مصرحًا به في بعض الأحاديث الأخرى، كقول أبي هريرة -﵁-: «كان -ﷺ- ربعةً (^١) إلى الطول أقرب» (^٢).
* الوجه الخامس: بين الحديث صفة لون النبي -ﷺ- بقوله: «ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا بالآدم»، ومعناه: أن النبي -ﷺ- لم يكن شديد البياض كالأبرص، فإنه لون مستكره، كما أنه لم يكن أسمر اللون، وإنما كان أبيض بياضًا مستنيرًا مخلوطًا بحمرة كما وقع التصريح به في أحاديث عديدة.
وفي صحيح البخاري (^٣) عن أنس بن مالك: «كان أزهر اللون»، والأزهر هو: الأبيض المستنير، كما أفاده أهل اللغة والغريب (^٤).
* الوجه السادس: وقع في مسند أحمد من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- كان أسمر اللون (^٥)، لكن أعل هذه الرواية بعض العلماء بأن حميدًا تفرد بها عن أنس، ورواها بقية تلامذة أنس بلفظ أزهر اللون. كما أن كل من ذكر صفته -ﷺ- غير أنس فقد وصفه بالبياض دون
_________________
(١) الربعة: المتوسط بين الطول والقصر.
(٢) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١١٥٥)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد، وعزاه ابن حجر للذهلي في الزهريات، وحسن إسناده في «فتح الباري» ٦/ ٥٦٩.
(٣) «صحيح البخاري» (٣٥٤٧).
(٤) «مشارق الأنوار» ١/ ٣١٢، «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣٢١.
(٥) «مسند أحمد» (١٣٧١٥).
[ ١٣ ]
السمرة، وهم خمسة عشر صحابيًا كما قاله الحافظ العراقي (^١)، فلا شك أن روايتهم أصح وأرجح.
وتأول بعضهم كلمة «أسمر» هنا بأن المراد بها نفي البياض الشديد كما تقدم، وعلى هذا التوجيه فلا منافاة بين هذه الرواية وبين بقية الروايات التي وصفته بالبياض.
وقال بعضهم: بأن السمرة كانت في أعضائه -ﷺ- البارزة للشمس، والبياض فيما تحت الثياب، وكل هذه تأويلات متكلفة.
* الوجه السابع: بين الحديث صفة شعر النبي -ﷺ- بأنه: «ليس بالجعد القطط، ولا بالسبط»، ومعناه أن شعره -ﷺ- كان وسطًا بين الجعودة والنعومة، وهي أحسن صفات الشعر، وقد جاء في رواية أبي هريرة: أنه كان «رَجِل الشعر» (^٢)، وهو الذي كأنه رُجّل وسُرّح بالمشط، وفسره بعضهم بما فيه تثنٍ قليل.
* الوجه الثامن: وردت صفات أخرى لخِلْقة النبي -ﷺ- في أحاديث أخر كثيرة، ومنها على سبيل المثال:
أنه كان «بعيد ما بين المنكبين»، كما في حديث البراء بن عازب (^٣)، والمعنى أنه كان عريض أعلى الظهر.
_________________
(١) «تحفة الأحوذي» ١٠/ ٦٨.
(٢) «الشمائل» (١٢)، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل».
(٣) رواه البخاري في «صحيحه» (٣٥٥١)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣٣٧).
[ ١٤ ]
وأنه كان (شَثْن القدمين والكفين)، كما في حديث أنس بن مالك (^١)، ومعناه: غليظ الأصابع وراحة اليد، لكن من غير خشونة، كما في حديث أنس ابن مالك -﵁- قال: «ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف النبي -ﷺ-» (^٢).
وأنه كان (كَثَّ اللحية)، كما صح ذلك في أحاديث عدة، منها حديث علي بن أبي طالب (^٣)، ومعناه: كثير شعر اللحية، كما جاء مصرحًا به في حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم (^٤).
وأنه كان (ضخم الرأس) أي عظيمه في اعتدال، وفيه دليل على كمال قواه -ﷺ- العقلية والدماغية، وذكائه وفطنته.
وأنه كان (ضخم الكراديس)، ومعناه: عظيم رؤوس العظام والمفاصل التي تلتقي فيها العظام، والمراد أن بنيته -ﷺ- كانت قوية شديدة.
وأنه كان (طويل المَسْربة)، ومعناه: أن له شعرًا دقيقًا يمتد من صدره إلى سرته.
وهذه الصفات الثلاث الأخيرة: (ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة) وردت في حديث علي بن أبي طالب -﵁- (^٥).
وأنه كان (ضليع الفم)، ومعناه: أن فمه -ﷺ- لم يكن صغيرًا ضيقًا.
_________________
(١) رواه البخاري في «صحيحه» (٥٩١٠).
(٢) «صحيح البخاري» (٣٥٦١).
(٣) «مسند أحمد» (٦٨٤)، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٣٤٤).
(٥) رواه الترمذي في «الشمائل» (٤)، وفي «السنن» (٣٦٣٧)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
[ ١٥ ]
وأنه كان (أشكل العينين)، ومعناه على القول الراجح: أن بياض عينيه -ﷺ- كان يخالطهما شيء من الحمرة.
وأنه كان (منهوس العقبين)، أي أن عقب قدمه -ﷺ- كان قليل اللحم.
وهذه الأوصاف الثلاثة الأخيرة (ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب) صحت من حديث جابر بن سمرة -﵁- (^١).
كما وصف وجهه -ﷺ- غير واحد من الصحابة بأنه كان كالقمر، بل أحسن من القمر، كما صح ذلك في حديث البراء بن عازب (^٢)، وكعب بن مالك (^٣)، وجابر بن سمرة (^٤) وغيرهم.
و(كأن الشمس تجري في وجهه)، كما في حديث أبي هريرة (^٥).
وسيأتي مزيد كلام - إن شاء الله - عن صفة شعره، وصفات أخرى تتعلق ببدنه الشريف -ﷺ-.
* الوجه التاسع: ذكر الحديث بأن بعثة النبي -ﷺ- كانت «على رأس أربعين سنة» من عمره، وقد اختلف في تفسير هذه اللفظة، فذهب بعضهم إلى أن المراد أول سنة أربعين من مولده، أي بعد أن أتم التاسعة والثلاثين من
_________________
(١) رواه مسلم في «صحيحه» (٢٣٣٩).
(٢) «صحيح البخاري» (٣٥٥٢).
(٣) «صحيح البخاري» (٤٦٧٧).
(٤) رواه الترمذي في «الشمائل» (٨)، وفي «السنن» (٢٨١٢)، وحسنه، وصححه الحاكم في «المستدرك» (٧٣٨٣)، ووافقه الذهبي، وقال عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على «جامع الأصول» (٨٣٠٨): حسن.
(٥) رواه الترمذي في «سننه» (٣٦٤٨)، وصححه ابن حبان (٦٣٠٩)، وحسنه عبد القادر الأرناؤوط.
[ ١٦ ]
عمره، وذهب بعضهم إلى أن المراد آخر الأربعين، أي بعث بعد أن أتم الأربعين، وطعن في الحادي والأربعين، وهذا قول الجمهور.
* الوجه العاشر: بين الحديث بأن النبي -ﷺ- أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين، لكن المشهور في روايات الصحيحين وغيرهما عن جمع من الصحابة أن مدة مقام النبي -ﷺ- بمكة بعد البعثة كانت ثلاث عشرة سنة. قال ابن الجوزي (^١): «بلا خلاف». وعليه فقد اختلف في مقصود أنس بهذه الرواية، والأقرب أنها مبنية على إلغاء الكسر الزائد على العشرة، كما هي عادة العرب في الحساب.
* الوجه الحادي عشر: ذكر في الحديث بأن مدة مقام النبي -ﷺ- في المدينة بعد الهجرة كانت عشر سنوات، وهذا محل اتفاق بين العلماء جميعًا كما قال النووي ﵀ (^٢).
* الوجه الثاني عشر: ذكر في الحديث بأن الله ﷿ قد توفى نبيه -ﷺ- على رأس ستين سنة، لكن المشهور في روايات الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس أن عمر النبي -ﷺ- عند وفاته كان ثلاثًا وستين سنة، بل صح ذلك حتى عن أنس بن مالك عند مسلم في صحيحه (^٣)، وعليه فقد حمل العلماء رواية الستين بأنها مبنية على حذف الكسر الزائد كما تقدم في مدة بقائه -ﷺ- في مكة.
_________________
(١) «كشف المشكل من حديث الصحيحين» ٣/ ٢١٤.
(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٥/ ٩٩.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٣٤٨).
[ ١٧ ]
ووردت رواية أخرى في الصحيح (^١) عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- توفي عن خمس وستين سنة!! لكنها رواية شاذة أو متأولة، قال الحافظ ابن حجر: «كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور، وهو ثلاث وستون جاء عنه المشهور» (^٢).
* الوجه الثالث عشر: ذكر في الحديث بأن النبي -ﷺ- عند وفاته لم يكن في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء أي أقل من ذلك، وهذا يدل على قلة شيبه -ﷺ-، وتمتعه بالشباب والنضارة إلى حين وفاته -ﷺ-، وسيأتي إن شاء الله مزيد كلام على صفة شيبه -ﷺ- في باب خاص عقده المؤلف لذلك.
* الوجه الرابع عشر: كما دل حديث أنس -﵁- على اهتمام الصحابة البالغ بنقل أدق التفاصيل المتعلقة بنبينا -ﷺ- حتى إنهم نقلوا لنا عدد شعراته البيضاء في رأسه ولحيته صلوات الله وسلامه عليه، وسيأتينا أيضًا كيف وصفوا لنا نعله وخاتمه وإزاره وقميصه وطعامه وشرابه وفاكهته وغير ذلك من التفاصيل الدقيقة المتعلقة بشخصه وبحياته -ﷺ-.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٣٥٣).
(٢) «فتح الباري» ٨/ ١٥١، وينظر «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٥/ ٩٩.
[ ١٨ ]