أي ذكر الأحاديث الواردة في الخاتم الذي كان يلبسه -ﷺ- في يده، وبيان صفته، وإنما زاد لفظ «ذكر» هنا دون بقية التراجم ليكون علامة مميزة بين خاتم النبوة وهو البضعة الناشزة بين كتفيه -ﷺ-، وقد تقدم الحديث عنه، وبين الخاتم الذي كان يلبسه في يده ويختم به.
١٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ وَرِقٍ وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشيًا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم (^١)، وهو في البخاري (^٢) بلفظ: «اتخذ خاتمًا من فضة»، ليس فيه ذكر الفَصّ.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٠٩٤).
(٢) «صحيح البخاري» (٥٨٧٧).
[ ٦١ ]
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(ورق): الورق بكسر الراء: الفضة.
(فصّه): الفص بفتح الفاء وكسرها (^١): ما يركَّب في الخاتم من الأحجار الكريمة وغيرها.
(حبشيًا): أي أن فصّ الخاتم كان من حجر الحبشة، أي مجلوبًا من بلاد الحبشة، وقيل المراد: أن لون الفص كان كلون الحبشة أحمر يميل إلى السواد.
* الوجه الرابع: في الحديث بيان صفة خاتم النبي -ﷺ-، وأنه كان مصنوعًا من فضة عليه حجر حبشي. وقد صح في حديث آخر لأنس -﵁-؛ أن خاتم النبي -ﷺ- كان من فضه فصّه منه (^٢). وهذا بظاهره مخالف لحديث الباب، وقد جُمع بينهما بالتعدد، أي أن النبي -ﷺ- كان له خاتمان، أحدهما فصه حبشي، والآخر فصه منه.
* الوجه الخامس: صح من حديث أنس بن مالك -﵁- أن خاتم النبي -ﷺ- كان منقوشًا عليه ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و(رسول) سطر، و(الله) سطر (^٣).
وقد ذكر بعض العلماء أن كتابتها كانت من أسفل إلى فوق، يعني أن لفظ
_________________
(١) كما في «لسان العرب» ٧/ ٦٦، وقال الصفدي في «تصحيح التصحيف» ١/ ٤٠٦: الكسر لغة رديئة، والصواب فتح الفاء.
(٢) «صحيح البخاري» (٥٨٧٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣١٠٦).
[ ٦٢ ]
الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد في أسفلها، كي لا يعلو على اسم الله شيء، لكن قال ابن حجر: «لم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث» (^١).
وقد نبه الحافظ ابن حجر أيضًا إلى أن هذه الكلمات الثلاث «لم تكن كتابتها على السياق العادي، لأن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويًا» (^٢).
* الوجه السادس: ورد في الصحيحين سبب اتخاذ النبي -ﷺ- للخاتم، فعن أنس بن مالك قال: لما أراد رسول الله -ﷺ- أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، قال: «فاتخذ رسول الله -ﷺ- خاتمًا من فضة، كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله -ﷺ-، نقشه محمد رسول الله» (^٣).
وفي قوله: «كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله» دليل على أن النبي -ﷺ- كان يلبس هذا الخاتم، وهذا يضعف رواية أنه -ﷺ- كان يختم به ولا يلبسه (^٤).
* الوجه السابع: دل حديث الباب على جواز لبس خاتم الفضة للرجال وهو إجماع. ولا يكره للمرأة لبسه أيضًا عند جماهير العلماء خلافًا للخطابي الذي كره الفضة للنساء لأنه شعارٌ للرجال، ورده النووي وقال «هذا ضعيف أو باطل لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة» (^٥).
_________________
(١) «فتح الباري» ١٠/ ٣٢٩.
(٢) المصدر السابق.
(٣) «صحيح البخاري» (٢٩٣٨)، «صحيح مسلم» (٢٠٩٢).
(٤) أخرج هذه الرواية الترمذي في «الشمائل» (٨٩)، وضعفها الألباني في «مختصر الشمائل» ص ٥٧، على أن بعض الشراح تأولها بأنه لا يلبسه أي: دائمًا.
(٥) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٤/ ٦٧.
[ ٦٣ ]
* الوجه الثامن: ذهب بعض العلماء إلى كراهة لبس الخاتم للرجال مطلقًا إلا لحاجة، مستدلين بحديث في سنن أبي داود (^١) أن النبي -ﷺ- «نهى عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان»، لكنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به (^٢)، وقد كان الصحابة يلبسون الخواتم في عهد النبي -ﷺ-، لذلك فالصحيح الذي عليه جمهور العلماء جواز لبسه دون كراهة (^٣).
* الوجه التاسع: ورد في سنن أبي داود (^٤) من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- إذا دخل الخلاء وضع خاتمه». وهو حديث مختلف في صحته، فقد ضعفه أبو داود والنسائي والدارقطني، وصححه الترمذي والمنذري وابن دقيق العيد (^٥).
والحديث وإن كان مختلفًا في صحته لكن الأصول العامة تقتضي وجوب تنزيه ذكر الله تعالى عن الأماكن القذرة كالحمامات وبيوت الخلاء. لذلك جاء في فتاوى اللجنة الدائمة برقم (٢٢٤٥): «لا يجوز أن يدخل الشخص الحمام ومعه مصحف، بل يجعل المصحف في مكان لائق به؛ تعظيمًا لكتاب الله واحترامًا له، لكن إذا اضطر إلى الدخول به خوفًا من أن يسرق إذا تركه خارجًا جاز له الدخول به للضرورة».
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٤٠٤٩).
(٢) الحديث ضعفه جمع من العلماء منهم: ابن عبد البر في «الاستذكار» ٨/ ٣٩٥، وابن حجر في «التلخيص الحبير» ٢/ ٣٨٧، والألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (٦٠٧٢) وغيرهم.
(٣) ينظر «التمهيد» لابن عبد البر ١٧/ ١٠١، «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٤/ ٦٧.
(٤) «سنن أبي داود» (١٩).
(٥) ينظر «التلخيص الحبير» ١/ ٣١٤.
[ ٦٤ ]
وبمثله يمكن أن يقال في الدخول إلى الحمامات بالكتب والنقود التي فيها ذكر الله تعالى.
* الوجه العاشر: فائدة: يحرم لبس خاتم الذهب على الرجال مطلقًا، وهو إجماع، وكان النبي -ﷺ- لبسه في بداية الأمر ثم نزعه وألقاه، وقال: «والله لا ألبسه أبدًا» (^١).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٨٦٦)، «صحيح مسلم» (٢٠٩١).
[ ٦٥ ]