أراد المصنف بهذا الباب بيان أن النبي -ﷺ- اتخذ المغفر ولبسه في الحرب تأهبًا لها.
١٨ - عن أنس بن مالك -﵁-: «أن النبي -ﷺ- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وعليه مغفرٌ، فلما نزعه قيل لَهُ: هَذَا ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: اقْتُلُوهُ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رسول الله -ﷺ- لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا.
• … الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
الوجه الثاني في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(المغفر): زَرَدٌ ينسج من الحديد على قدر الرَّأْس يلبس تَحت القلنسوة، وهي تسبغ على العنق فتقيه من ضربات السيوف والرماح ونحوها، وهو
_________________
(١) «صحيح البخاري» (١٨٤٦)، «صحيح مسلم» (١٣٥٧).
[ ٧٩ ]
معدود من جملة السلاح، لأن السلاح يطلق على ما يقتل به وعلى ما يدفع به.
* الوجه الرابع: عندما فتح النبي -ﷺ- مكة ودخلها أَمَّنَ كل من فيها إلا ستة نفر أهدر دماءهم لكثرة ما ألحقوه من الأذى الشديد بالمسلمين، منهم ابن خطل هذا، فإنه كان قد أسلم، ثم قتل رجلًا من المسلمين وارتد مشركًا وهرب إلى مكة، وكان له جاريتان تغنيان بهجاء النبي -ﷺ- والمسلمين (^١).
* الوجه الخامس: دخول النبي -ﷺ- مكة وعليه المغفر دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر.
وما نقله الترمذي عن ابن شهاب أنه قال: «وبلغني أن رسول الله -ﷺ- لم يكن يومئذ محرمًا»، يشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول الله -ﷺ- «دخل مكة يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام» (^٢).
* الوجه السادس: في لبس النبي -ﷺ- للمغفر دليل على مشروعية الأخذ بالأسباب والتوقي من الأعداء والتأهب للحرب، وأن هذا لا ينافي كمال التوكل على الله سبحانه والتسليم له، كما جاء في الحديث: «اعقلها وتوكل». (^٣)
* الوجه السابع: قدمنا قبل قليل أنه ورد في صحيح مسلم أن النبي -ﷺ-
_________________
(١) «إرشاد الساري» ٣/ ٣١٧.
(٢) «صحيح مسلم» (١٣٥٨).
(٣) أخرجه الترمذي في «السنن» (٢٥١٩)، وتقدم الكلام عليه في نهاية شرح الباب السابق.
[ ٨٠ ]
دخل مكة وعليه عمامة سوداء، وهذه الرواية لا تعارض حديث الباب لاحتمال أنه -ﷺ- كان أوّل دخوله على رأسه المغفر، ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل راوٍ ما رآه.
[ ٨١ ]