أي بيان الأحاديث الواردة في صفة عمامة رسول الله -ﷺ-. والعمامة هي ما يلفه الناس على رؤوسهم من الثياب، وهي منتشرة في كثير من البلدان والشعوب، يلبسونها وقاية من الحر والبرد أو جزءًا من الزينة. وجاء في المواهب اللدنية للقسطلاني: «لم تكن عمامته -ﷺ- بالكبيرة التي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للآفات، أو بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد، بل وسطًا بين ذلك» (^١).
وورد في الصحيح ما يدل على أن النبي -ﷺ- كان إذا اعتم يرخي عمامته بين كتفيه، ففي صحيح مسلم من حديث عمرو بن حريث قال: «كأني أنظر إلى رسول الله -ﷺ- على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفيها بين كتفيه» (^٢).
* * *
١٩ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري -﵄- قال: «دخل النبي -ﷺ- مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامةٌ سوداء».
_________________
(١) «المواهب اللدنية» للقسطلاني ٢/ ١٨٤.
(٢) «صحيح مسلم» (١٣٥٩).
[ ٨٣ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
جابر بن عبد الله هو: الصحابي الجليل أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري، أحد كبار الصحابة وفضلائهم وعلمائهم، ومن المكثرين من رواية الحديث، توفي بالمدينة، سنة: ٧٤ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^١).
* الوجه الثالث: قدمنا في الباب السابق وجه الجمع بين هذا الحديث وحديث أن النبي -ﷺ- دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلا حاجة لتكراره هنا.
* الوجه الرابع: دخول النبي -ﷺ- مكة وعليه عمامة دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسألة في الباب السابق.
* الوجه الخامس: دل الحديث على جواز لبس الثياب السوداء وإن كان الأبيض أفضل، كما دل عليه حديث: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (^٢).
والنبي -ﷺ- لم يكن من هديه لبس الثياب السوداء باستمرار وإنما كان يلبسها أحيانًا، قال ابن القيم ﵀: «وفي القصة: أنه دخل مكة، وعليه
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١٣٥٨).
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» (٣٨٧٨)، والترمذي في «سننه» (٩٩٤)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٥٤٢٣)، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ١٨٠، وابن الملقن في «البدر المنير» ٤/ ٦٧١ وغيرهم.
[ ٨٤ ]
عمامة سوداء، ففيه دليل على جواز لبس السواد أحيانًا، ومن ثم جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعارًا لهم، ولولاتهم، وقضاتهم، وخطبائهم، والنبي -ﷺ- لم يلبسه لباسًا راتبًا، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض» (^١).
* الوجه السادس: وأما لباس بقية الألوان فقد تقدم كلام الإمام الطبري في الباب السابع في جواز لبس الألوان كلها وأن المسألة خاضعة للعرف. ولم أقف على ما يمنع من لبس لون بعينه إلا الأحمر وقد تقدم الخلاف فيه في الباب السابع، وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه لبس ألوانًا مختلفة، فقد لبس الأبيض، ولبس الأسود، ولبس الأحمر، ولبس الأخضر، ولبس الأصفر، ولبس المخطط، والله تعالى أعلم.
* الوجه السابع: اختلف العلماء في لبس العمامة التي تلف على الرأس، فقال بعضهم إن لبسها سنة اقتداء بالنبي -ﷺ-، ورجحت اللجنة الدائمة أنها من المباحات وليست بسنة، والأولى أن يلبس الإنسان ما اعتاد أهل بلده لبسه على رؤوسهم (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «لباس العمامة ليس بسنة، لكنه عادة، والسنة لكل إنسان أن يلبس ما يلبسه الناس ما لم يكن محرمًا بذاته، وإنما قلنا هذا؛ لأنه لو لبس خلاف ما يعتاده الناس لكان ذلك شهرة، والنبي
_________________
(١) «زاد المعاد» ٣/ ٤٠٣، واللواء: الراية.
(٢) «فتاوى اللجنة الدائمة» ٢٤/ ٤٣.
[ ٨٥ ]
-ﷺ- نهى عن لباس الشهرة، فإذا كنا في بلد يلبسون العمائم لبسنا العمائم، وإذا كنا في بلد لا يلبسونها لم نلبسها، وأظن أن بلاد المسلمين اليوم تختلف، ففي بعض البلاد الأكثر فيها لبس العمائم، وفي بعض البلاد بالعكس، والنبي -ﷺ- كان يلبس العمامة؛ لأنها معتادة في عهده، ولهذا لم يأمر بها بل نهى عن لباس الشهرة مفيدًا إلى أن السنة في اللباس أن يتبع الإنسان ما كان الناس يعتادونه إلا أن يكون محرمًا» (^١).
قلت: وردت أحاديث عدة في فضل لبس العمامة، وكلها أحاديث ضعيفة وبعضها أوهى من بعض كما ذكر الشيخ الألباني ﵀ (^٢).
_________________
(١) «لقاء الباب المفتوح» ٢٤/ ١٦٠.
(٢) «الأحاديث الضعيفة» ٢/ ١١٩.
[ ٨٦ ]