أي بيان الأحاديث الواردة في صفة إزاره -ﷺ- وكذلك ردائه، والإزار: ما يستر أسفل البدن، والرداء: ما يستر أعلاه.
٢٠ - عن أبي بردة، عن أبيه قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ -﵂- كِسَاءً مُلَبَّدًا وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ: «قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ الله -ﷺ- في هذين».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو بردة هو أحد علماء التابعين من أهل الكوفة، وأبوه هو: الصحابي الجليل عبدالله بن قيس بن سليم، المعروف بأبي موسى الأشعري، أحد كبار الصحابة وفضلائهم وعلمائهم، وأحد الشجعان الولاة الفاتحين، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد، وكانت وفاته بالكوفة، سنة: ٤٤ هـ
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) من حديث أبي بردة عن أبيه به.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣١٠٨)، «صحيح مسلم» (٢٠٨٠).
[ ٨٧ ]
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(كساء): هو الرداء الذي يستر أعلى البدن ضد الإزار.
(ملبدًا): مرقعًا.
(غليظًا): خشنًا.
* الوجه الرابع: قال العلامة الباجوري: «كانت عائشة -﵂- حفظت هذا الكساء والإزار اللذين قبض فيهما رسول الله -ﷺ- لأجل التبرك بهما، وقد كان عندها أيضًا جبة طيالسية كان -ﷺ- يلبسهما، فلما ماتت عائشة أخذتها أختها أسماء، فكانت عندها تستشفى بها المرضى، كما أخبرت بذلك أسماء في حديثها في مسلم» (^١)، انتهى كلامه.
قلت: وفي هذا تبرك الصحابة -﵃- بآثار النبي -ﷺ- الثابتة عنه، كالتبرك بريقه -ﷺ- وشعره وعرقه، وهو من خصائصه -ﷺ- التي لا يقاس عليه فيها غيره، بمعنى أنه لا يجوز التبرك بآثار غيره من الأولياء والصالحين على القول الصحيح كما قرره الإمام الشاطبي (^٢) وغيره.
* الوجه الخامس: دل الحديث على تواضع رسول الله -ﷺ- في لباسه بالرغم من إقبال الدنيا عليه بحذافيرها في آخر عمره، وربما لبس -ﷺ- هذا الكساء موافقة لا عن قصد، فقد كان ﵊ يلبس ما وجد.
وأما تعمد ترقيع الثياب الجديدة كما يفعل بعض المتصوفة فهذا من الجهل بالسنة ومن تلبيس الشيطان عليهم، قال العلامة ابن الجوزي رحمه
_________________
(١) حاشية الباجوري على «الشمائل» ص ٢٢٨، وينظر «صحيح مسلم» حديث (٢٠٦٩).
(٢) ينظر «الاعتصام» للشاطبي ١/ ٤٨٢.
[ ٨٨ ]
الله: «فأما صوفية زماننا فإنهم يعمدون إِلى ثوبين أو ثَلاثَة كل واحد منها على لون فيجعلوها خِرَقًا ويلفقونها، فيجمع ذلك الثوب وصفين: الشهرة والشهوة، فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج، وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد! افتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف؟ كذا قد ظنوا، وإن إبليس قد لبَّس عليهم وقال أنتم صوفية، لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك، أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة، وهؤلاء قد فاتهم التشبه في الصورة والمعنى، أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة ولا يقصدون التحسن بالمرقع، ولا يأخذون أثوابًا جددًا مختلفة الألوان فيقطعون من كل ثوب قطعة ويلفقونها على أحسن الترقيع ويخيطونها ويسمونها مرقعة!!» (^١).
* الوجه السادس: يؤخذ من الحديث أيضًا أنه ينبغي للإنسان أن يجعل آخر عمره محلًا لترك الزينة والترفه كما أفاده العلامة الباجوري ﵀ (^٢).
* * *
٢١ - عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي تُحَدِّثُ، عن عمّها قال: بَيْنَا أَنَا أَمشِي بِالمَدِينَةِ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَقُولُ: «ارْفَعْ إزارك فإنه أتقى»، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، قَالَ: «أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ». فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إلى نصف ساقيه.
_________________
(١) «تلبيس إبليس» لابن الجوزي ص ١٩٣.
(٢) حاشية الباجوري على «الشمائل» ص ٢٢٨.
[ ٨٩ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
راوي الحديث هو: عبيد أو عبدة بن خالد، ويقال ابن خلف المحاربي، صاحب رسول الله -ﷺ-، معدود في الكوفيين.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أحمد في المسند (^١) بنحوه، وضعف إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط وأعله بجهالة عمة أشعث بن سليم بن أبي الشعثاء، فإنها لا تعرف، لكن صححه الألباني بشواهده كما في مختصر الشمائل.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(بردة ملحاء): بفتح الميم، والملحة بالضم بياض يخالطه سواد، وكأن الصحابي أراد أن مثل هذه البردة ليست من الثياب الفاخرة ولا خيلاء فيها.
(ارفع إزارك) أي عن الأرض.
(فإنه أتقى) أي أقرب للتقوى وأبعد عن الخيلاء، وفي بعض النسخ: (أتقى وأبقى)، أي أكثر دوامًا للإزار، وفي بعضها: (أنقى وأبقى) أي أنظف، لأن الإزار إذا جُرّ على الأرض ربما تعلقت به نجاسة فتلوثه.
* الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب أن يكون الإزار إلى أنصاف الساقين للرجال، وألحق بعضهم به القميص والسراويل وكل ملبوس، بدليل حديث عبد الله بن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: «الإسبال في الإزار والقميص
_________________
(١) «مسند أحمد» (٢٣٠٨٦).
[ ٩٠ ]
والعمامة، من جرّ شيئًا خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة» (^١).
والذي يظهر لي؛ أن جعل اللباس إلى نصف الساق إنما هو خاص بالإزار دون غيره، لورود الأحاديث بتقييده بذلك، كحديث «إزرة المؤمن إلى نصف الساقين» (^٢)، وأما حديث عبد الله بن عمر المتقدم فهو في الإسبال، وهو يشمل الإزار والقميص وكل ملبوس، وقد ذكر بعض العلماء: أن اللباس إلى نصف الساق، إذا كان يخالف عرف البلد فإنه يصبح شهرة، وموضع استغراب منهم.
* الوجه الخامس: فرّق النووي في حكم إسبال الثياب تحت الكعبين بين المسبل خيلاء والمسبل لغير خيلاء، فقال: «لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وظواهر الأحاديث في تقييدها بالجرّ خيلاء، تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على الفرق كما ذكرنا» (^٣).
وهذا التفريق الذي ذكره النووي هو الذي عليه أكثر العلماء، وهو الذي رجحه ابن عبد البر والشوكاني (^٤) وغيرهما. وقال بعض العلماء يحرم إسبال الثياب تحت الكعبين مطلقًا، سواء كان من أجل الخيلاء أو لغير خيلاء،
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٩٤)، والنسائي (٥٣٣٤)، وقال النووي في شرح مسلم ٢/ ١١٦: إسناده حسن.
(٢) رواه ابن ماجه (٣٥٧٣)، وأحمد في «المسند» (١١٠١٠) وغيرهما، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٤/ ٦٢.
(٤) «التمهيد» لابن عبد البر ٣/ ٢٤٤، «نيل الأوطار» ٢/ ١٣٢.
[ ٩١ ]
* الوجه السادس: حكى القاضي عياض والشوكاني (^١) إجماع العلماء على أن النهي عن الإسبال إنما هو خاص بالرجال دون النساء. ويؤيده حديث عبد الله بن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سَلَمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا، فقالت أم سَلَمة: إذًا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخين ذراعًا، لا يزدن عليه» (^٢).
_________________
(١) «إكمال المعلم» ٦/ ٥٩٨.» نيل الأوطار» ٢/ ١٣٢.
(٢) «سنن أبي داود» (٤١١٧)، «سنن الترمذي» (١٧٣١) وصححه، وقال المناوي في «فيض القدير» ٦/ ١١٢: إسناده صحيح.
[ ٩٢ ]