أي بيان الأحاديث الواردة في صفة مشيته -ﷺ-، والمشية بكسر الميم: الهيئة التي يعتادها الإنسان في المشي.
٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: «ما رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رسول الله -ﷺ- كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وجهه، ولا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لغير مكترث».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو هريرة هو: الصحابي الجليل عبد الرحمن - على المشهور - بن صخر الدوسي، مشهور بكنيته، وهو أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، أسلم بعد غزوة خيبر، ولزم النبي -ﷺ- حتى وفاته ملازمة تامة، وكان من فضلاء الصحابة وعلمائهم، توفي بالمدينة سنة: ٥٩ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في سننه (^١)، من طريق ابن لهيعة، عن أبي يونس، عن أبي
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٣٦٤٨).
[ ٩٣ ]
هريرة به، وقال: هذا حديث غريب.
قلت: إسناد الحديث ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة وهو سيء الحفظ، لكن تابعه عمرو بن الحارث عند ابن حبان (^١)، فالحديث حسن إن شاء الله بمجموع الطريقين، وقد حسنه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط.
* الوجه الثالث: دل الحديث على ما كان عليه -ﷺ- من جمال الوجه، وبهاء الطلعة، وحسن الصورة، وإشراق المحيا، حيث شبه أبو هريرة -﵁- جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن ونوره في وجهه الكريم -ﷺ-.
ومن بلاغة أبي هريرة -﵁- ودقته أنه لم يقل ما رأيت إنسانًا أحسن من رسول الله -ﷺ-، وإنما قال ما رأيت شيئًا، حتى يشمل بكلامه كل ما رآه من إنسان وشمس وقمر وغير ذلك، من الأشياء الحسنة الجميلة.
وقد عقد العلامة القسطلاني في كتابه: المواهب اللدنيّة فصلًا حافلًا في جمال صورته وكمال خلقته -ﷺ-، أطال في ذكر الأحاديث الدالة على ذلك، وما تشتمل عليه من دلالات (^٢).
* الوجه الرابع: دل الحديث على صفة مشية النبي -ﷺ-، وأن طبيعتها كانت سريعة من غير تكلف، لكن ليس المقصود سرعة شديدة تخرج الإنسان عن حد الوقار والاعتدال، وإنما المقصود أنه لم يكن يمشي مشية
_________________
(١) «صحيح ابن حبان» (٦٣٠٩).
(٢) «المواهب اللدنيّة» للقسطلاني ٢/ ٥.
[ ٩٤ ]
الكسلان المتماوت، كما لم يكن يثب وثب العجلان، وكان بين هذا وهذا، كما أدبه الله تعالى بقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩].
ويصف علي بن أبي طالب -﵁- مشيته -ﷺ- فيقول: كان رسول الله -ﷺ- «ذا مشى تكفأ تكفؤًا، كأنما ينحط من صبب» (^١). أي كأنه ينزل من موضع عال أو منحدر من الأرض.
وعن على بن أبي طالب قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا مشى تقلَّع» (^٢)، أي: رفع رجليه رفعًا ثابتًا قويًا، مشية أهل القوة والجلادة وعلو الهمة.
وعن ابن عباس قال: «كان - رسول الله -ﷺ- يمشي مشيًا يعرف فيه أنه ليس بعاجز ولا كسلان» (^٣).
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٣٦٣٧)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل» (٤).
(٢) سنن الترمذي (٣٦٣٨)، وقال: ليس إسناده بمتصل، لكن حسنه عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على «جامع الأصول»، حديث (٨٧٨٤)، لعله لشواهده.
(٣) حسنه الألباني بشواهده في «الصحيحة» (٢١٤٠)، وعزاه للمخلص في «الفوائد المنتقاة».
[ ٩٥ ]