أي بيان الأحاديث الواردة في صفة جلسة رسول الله -ﷺ-، والجلسة بكسر الجيم هي: هيئة الجلوس، والحالة التي عليها الجالس.
٢٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قال: «كان رسُول الله -ﷺ- إِذَا جَلَسَ فِي المسْجِدِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو سعيد الخدري تقدم التعريف به في الحديث رقم ١٠.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^١) دون ذكر المسجد، وسنده واهٍ بمرة، كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على سنن أبي داود.
لكن الحديث معناه صحيح، فقد ثبت احتباء النبي -ﷺ- في غير ما حديث، منها: حديث ابن عمر في البخاري (^٢) قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- بفناء الكعبة محتبيًا بيده هكذا».
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٤٨٤٦).
(٢) «صحيح البخاري» (٦٢٧٢).
[ ٩٧ ]
وحديث ابن عباس عند مسلم (^١) في قصة مبيته عند خالته ميمونة، وفيه: «فصلى إحدى عشرة ركعة. ثم احتبى، حتى إني لأسمع نفسه راقدًا … إلخ».
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(احتبى)، الاحتباء: أن يجلس على مقعدته، وينصب ساقيه، ويضمها إلى بطنه وفخذيه بثوب أو بيديه، وهي جلسة تريح البدن، وتغنيه عن الاتكاء والاستناد إلى جدار أو نحوه، وكانوا قديمًا يقولون: الاحتباء حيطان العرب، أي كالحيطان لهم في الاستناد، فإذا أراد أحدهم الاستناد احتبى، لأنّه لا حيطان في البراري، فيكون الاحتباء بمنزلة الحيطان لهم.
* الوجه الرابع: الاحتباء هو إحدى هيئات جلسته -ﷺ-، وقد كان النبي -ﷺ- يجلس على هيئات مختلفة (^٢)، فتارة كان يجلس محتبيًا كما في الأحاديث المتقدمة.
وتارة يجلس متربعًا، كما في حديث جابر بن سمرة، قال: «كان النبي -ﷺ- إذا صلى الفجر تربع في مجلسه، حتى تطلع الشمس حسناء». (^٣)
وتارة يجلس متكئًا، كما في حديث أبي بكرة: وكان رسول الله -ﷺ- متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور … الحديث» (^٤).
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٧٦٣) (١٨٥).
(٢) وهذا في غير الصلاة، أما الصلاة فلها جلسات مخصوصة.
(٣) «سنن أبي داود» (٤٨٥٠)، وقال النووي في «رياض الصالحين» ص ٢٦٦: رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة.
(٤) «صحيح البخاري» (٦٢٧٤)، «صحيح مسلم» (١٤٣).
[ ٩٨ ]
وتارة يقعي (^١)، كما في حديث أنس بن مالك، قال: «رأيت النبي -ﷺ- مقعيًا يأكل تمرًا» (^٢).
وتارة يستلقي، كما في حديث عباد بن تميم، عن عمه، أنه «رأى رسول الله -ﷺ- مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى» (^٣). لكن حمل العلماء هذه الهيئة على أنه فعلها لبيان الجواز، أو لضرورة تعب، أو لم يكن وقتها يوجد من يحتشمه من الغرباء.
وتارة يجثو على ركبتيه، كما في حديث عبد الله بن بسر، قال: أهديت للنبي -ﷺ- شاة، فجثا رسول الله -ﷺ- على ركبتيه، يأكل، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلني عبدًا كريمًا، ولم يجعلني جبارًا عنيدًا» (^٤). وكل هذا واسع، وهو محمول على اختلاف الأحوال.
* الوجه الخامس: استثنى العلماء جلسة الاحتباء حال الخطبة يوم الجمعة فكرهوها، لحديث معاذ بن أنس أن رسول الله -ﷺ- «نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب» (^٥). وقد عللوا النهي بأن جلسة الحبوة تجلب النوم فتفوت سماع الخطبة، وربما أفضت إلى انتقاض الوضوء.
* الوجه السادس: كان من تواضع النبي -ﷺ- أنه لم يكن يتميز عن
_________________
(١) الإقعاء: أن يجلس على إليتيه وينصب ساقيه مستوفزًا غير متمكن.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٠٤٤).
(٣) «صحيح مسلم» (٢١٠٠).
(٤) «سنن ابن ماجه» (٣٢٦٣)، وصحح إسناده البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٤/ ٨، والألباني في «إرواء الغليل» ٧/ ٢٨.
(٥) «سنن أبي داود» (١١١٠)، وحسنه الألباني في تعليقه على «مشكاة المصابيح» (١٣٩٣).
[ ٩٩ ]
أصحابه في مجلس ولا في لباس، لذلك كان يأتي الغريب فلا يدري أي الناس هو -ﷺ- حتى يسأل عنه.
ففي سنن أبي داود عن أبي ذر وأبي هريرة، قالا: «كان رسول الله -ﷺ- يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدري أيهم هو حتى يسأل. فطلبنا إلى رسول الله -ﷺ- أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكانًا من طين، فجلس عليه، وكنا نجلس بجنبتيه» (^١).
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٤٦٩٨)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
[ ١٠٠ ]