خاتم النبوة هو إحدى العلامات التي كانت على جسده الشريف -ﷺ-، الدالة على نبوته. وكانت هذه العلامة معروفة عند أهل الكتاب، مذكورة في كتبهم، وبها تعرَّف بعضهم على النبي -ﷺ- كبحيرى الراهب عندما التقى بالنبي -ﷺ- على مشارف بلاد الشام، في رحلته -ﷺ- الأولى إليها مع عمه أبي طالب (^١).
كذلك تعرَّف سلمان الفارسي على النبي -ﷺ- بهذه العلامة أول مقدمه المدينة فآمن به (^٢).
وقد أورد الترمذي ﵀ تحت هذا الباب جملة من الأحاديث الواردة في شأن هذا الخاتم وصفته.
٢ - عن السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ -﵁- قال: «ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النبي -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابنَ أُختِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ -ﷺ- رَأسِي، وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، وَتَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى الخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ زِرّ الحَجَلَة».
_________________
(١) أخرج قصة بحيرى الترمذي في «سننه» (٣٦٢٠)، وصححها الحاكم في «المستدرك» (٤٢٢٩)، وقوى إسنادها ابن حجر في «الفتح» ٧/ ٧١٦.
(٢) «مسند أحمد» (٢٢٩٩٧) وقوى إسناده شعيب الأرناؤوط.
[ ١٩ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
السائب بن يزيد هو: ابن سعيد الكناني: صحابيّ جليل، من صغار الصحابة، وكان مع أبيه في حجة الوداع. استعمله عمر بن الخطاب على سوق المدينة، وهو آخر من توفي بها من الصحابة، بعد سنة تسعين.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(زرّ الحجلة): الحجلة طائر معروف متوسط الحجم، وزرّها: بيضها، مأخوذ من قول العرب: ارتزت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض. وقيل: المراد بالحجلة: بيت كالقبة له أزرار كبار وعرى، ويسمى في الحجاز بالناموسية.
* الوجه الرابع: دل الحديث على إثبات خاتم النبوة بين كتفيه -ﷺ-، والأحاديث الواردة في إثباته كثيرة. وهو كما قدمنا إحدى العلامات الدالة على أنه النبي الموعود في آخر الزمان.
* الوجه الخامس: وَصَفَ الحديثُ خاتم النبوة بأنه مثل زرّ الحجلة، وقد اختلف في تفسير هذه اللفظة كما تقدم، والمشهور أن المراد بها كبيضة الحجلة، والحجلة طائر معروف متوسط الحجم، ويؤكد هذا التفسير ما ثبت
_________________
(١) «صحيح البخاري» (١٩٠)، «صحيح مسلم» (٢٣٤٥).
[ ٢٠ ]
من حديث جابر بن سمرة أنه قال: «رأيت الخاتم عند كتفه -ﷺ- مثل بيضة الحمامة يشبه جسده» (^١).
* الوجه السادس: ثبتت أحاديث أخرى في صفة خاتم النبوة منها: حديث أبي سعيد الخدري، أن خاتم النبوة كان «بَضعة ناشزة» (^٢)، أي قطعة لحم ظاهرة مرتفعة.
وفي حديث جابر بن سمرة أنه كان «غدَّة حمراء» (^٣) أي مثل الغدة يميل لونها إلى الحمرة، لأن لون جسده -ﷺ- كان أبيضَ مخلوطًا بحمرة.
وفي حديث أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يا أبا زيد، ادنُ منّي فامسح ظهري»، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم. قيل: وما الخاتم؟ قال: «شعرات مجتمعات» (^٤)، وقد حمل العلماء هذا الحديث على أن أبا زيد لم ير الخاتم بعينه، وإنما أخبر عما وصلت إليه يده، وهو الشعر الذي كان حول الخاتم متراكبًا عليه.
وفي حديث عبد الله بن سرجِس قال: «نظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغض كتفه اليسرى، جُمعًا، عليه خيلان كأمثال الثآليل» (^٥). وهذه
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٣٤٤).
(٢) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢٢) عن أبي سعيد الخدري بسند جيد.
(٣) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (١٧) وفي «السنن» (٣٦٤٧)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل».
(٤) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٢٨٨٩)، والترمذي في «الشمائل» (٢٠) واللفظ له، وابن حبان في «صحيحه» (٦٣٠٠)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح. ولفظه عند أحمد وابن حبان: «شعر مجتمع على كتفه».
(٥) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٣٤٦).
[ ٢١ ]
الرواية أفادتنا أن الخاتم كان إلى جهة الكتف الأيسر أقرب، وأن عليه خيلان سوداء، وأنه مثل الجُمع، أي جُمع اليد في الهيئة والاستدارة وليس في الحجم، حتى تتوافق مع بقية الروايات الدالة على أن الخاتم كان بحجم بيضة الحمامة أو الحجلة.
* الوجه السابع: تحصل من مجموع الروايات الثابتة في صفة خاتم النبوة أنه كان قطعة لحم ناتئة من جسد النبي -ﷺ-، وأنه كان بلون جسده الشريف؛ أبيض يميل إلى الحمرة، وأن محله على ظهره بين كتفيه، إلى الكتف الأيسر أقرب، وأنه في حجم وهيئة بيضة الحمامة، حوله شعر متراكب عليه، وعليه خيلان سود تشبه الثآليل.
* الوجه الثامن: ورد في بعض الروايات أن خاتم النبوة كان كالشامة السوداء أو الخضراء، وفي بضعها: مكتوب عليه محمد رسول الله، أو سر فأنت المنصور، لكن قال الحافظ ابن حجر: بأنه لم يثبت من هذه الروايات شيء، وأن ابن حبان غفل عندما صحح بعضها (^١).
* الوجه التاسع: اختلف العلماء هل كان خاتم النبوة موجودًا حين ولادة النبي -ﷺ- أو أنه وجد بعد ذلك؟ والأقوى أنه وجد بعد ذلك، فقد ورد في بعض الروايات في مسند أحمد (^٢) وغيره أن الملكين عندما جاءا إلى النبي -ﷺ- وهو صبي بالطائف شقا صدره وغسلاه ثم لأماه وختما عليه بخاتم
_________________
(١) «فتح الباري» ٦/ ٥٦٣.
(٢) «مسند أحمد» (١٧٦٤٨)، لكن إسناده فيه ضعف، لأنه ورد من طريق بقية بن الوليد وهو يدلس تدليس التسوية وقد عنعن، ولا يقبل حديثه حتى يصرح بالسماع في جميع طبقات السند.
[ ٢٢ ]
النبوة. قال الحافظ ابن حجر: «مقتضى هذه الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودًا حين ولادته، ففيه تعقيب على من زعم أنه ولد به» (^١)، انتهى كلامه ﵀.
* الوجه العاشر: في شرب السائب بن يزيد من وضوء النبي -ﷺ- دليل على مشروعية التبرك بآثار النبي -ﷺ- الثابتة عنه، كالتبرك بالماء الفاضل من وضوئه -ﷺ-، والتبرك بريقه وشعره وعرقه ونحوه. وفي السنة والسيرة وقائع كثيرة تشهد لذلك، وهو من خصائصه -ﷺ- التي لا يقاس عليه فيها غيره.
* الوجه الحادي عشر: ثبت في صحيح البخاري (^٢) أن السائب بن يزيد -﵁- بلغ الرابع والتسعين سنة وهو ممتع بقواه البدنية والعقلية، وكل هذا كان ببركة مسح النبي -ﷺ- رأسه وشربه من وضوئه ودعائه له، ولفظ رواية البخاري: عن الجعيد بن عبدالرحمن قال: رأيت السائب بن يزيد، ابن أربع وتسعين، جلدًا معتدلًا، فقال: قد علمتُ: ما متعتُ به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله -ﷺ-، إن خالتي ذهبت بي إليه، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي شاك، فادع الله له، قال: «فدعا لي».
_________________
(١) «فتح الباري» ٦/ ٥٦٢.
(٢) «صحيح البخاري» (٣٥٤٠).
[ ٢٣ ]