أي بيان الأحاديث الواردة في صفة عيشه -ﷺ-، وما كان فيها من الضيق وترك الترفه والتوسع في المطعم والمشرب إلا ما يقيم الأود.
٢٥ - عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئِتُمْ؟ «لقد رأيت نبيكم -ﷺ- وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
النعمان بن بشير هو: ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صاحب رسول الله -ﷺ-، كنيته أبو عبد الله، ولد سنة اثنتين من الهجرة، وعد من صبيان الصحابة، وكانت وفاته سنة: ٦٤ هـ -﵁-.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^١)، وفي إحدى روايات مسلم: عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان يخطب قال: ذكر عمر ما أصاب
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٩٧٧ - ٢٩٧٨).
[ ١٠٣ ]
الناس من الدنيا، فقال: «لقد رأيت رسول الله -ﷺ- يظل اليوم يلتوى، ما يجد دقلًا يملأ به بطنه».
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(الدَقَل): بفتح الدال والقاف، ردئ التمر ويابسه.
* الوجه الرابع: أراد النعمان بن بشير بهذا الحديث تذكير من حوله من الناس بمنّة الله ونعمته عليهم، حيث يُسر لهم مختلف أنواع الأطعمة والأشربة في حين كان رسول الله -ﷺ- في ضيق من العيش، ولا يجد من رديء الطعام ما يسد به جوعه، مع أنه أكرم الخلق على الله تعالى.
* الوجه الخامس: دل الحديث على ما كان عليه النبي -ﷺ- من الزهد، وضيق العيش، والإعراض عن الدنيا، وقلة الطعام إلا ما يسد به الرَّمَق.
وقد صح في السُّنة والسيرة أحاديث كثيرة في هذا المعنى، كحديث عروة ابن الزبير، عن خالته عائشة -﵂- قالت: «إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله -ﷺ- نار، فقلت يا خالة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (^١).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: «ما شبع آل محمد -ﷺ- من طعام ثلاثة أيام حتى قبض». (^٢)
وعن ابن عباس قال: «كان رسول الله -ﷺ- يبيت الليالي المتتابعة طاويًا
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٢٥٦٧)، «صحيح مسلم» (٢٩٧٢).
(٢) «صحيح البخاري» (٥٣٧٤)، «صحيح مسلم» (٢٩٧٦)، واللفظ للبخاري.
[ ١٠٤ ]
وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» (^١). والأحاديث في الباب كثيرة.
* الوجه السادس: قال العلماء بأن فقر النبي -ﷺ- كان اختياريًا ولم يكن اضطراريًا، وقد جاءته الأموال الكثيرة في آخر حياته من كل مكان، لكنه بقي على ما هو عليه من الزهد والتقلل من الدنيا، حتى إنه مات ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي، من أجل ثلاثين صاعًا من شعير، اشتراها منه إلى أجل (^٢)، وكان ينفق تلك الأموال على الفقراء والمحتاجين والمعوزين والضيفان والمؤلفة قلوبهم وغيرهم.
_________________
(١) رواه الترمذي في «سننه» (٢٣٦٠)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل» (١٢٥).
(٢) «صحيح البخاري» (٢٠٩٦).
[ ١٠٥ ]